فمضيتُ فيها مُضي الجَواد في سَنن مَيدانه، تَهْدِرُ بها أشداقي، حتى إذَا صَرتُ إلى امتداح بني أمية ثَنيتُ عِنان اللسان إلى امتداحه المنصورَ في قوله.
قُلْت لزِيرٍ لم تَصِلْه مَرَيمه
قال: أعن حَيْرة أمِ عن عَمد؟ قلت: بل عن عمد، تركتُ كذبه إلى صدقه فيما وصف به المنصور من مجده. قال الفضل: أحسنتَ بارك الله فيك، مثلك يُؤمَّل لهذا الموقف. قال الرشيد: أرجع إلى أول هذا الشعر. فأخذتُ من أوله حتى صرت إلى صفة الجمل فأطلتُ. فقال الفَضل: ما لك تُضيِّق علينا كَلّ ما اتسع لنا من مساعدة السَّهر في ليلتنا هذه بذكر جَمل أَجرب؟ صِرْ إلى امتداح المنصور حتى تأتي على آخره. فقال الرشيد: اسكت، هي التي أخرجتْك من دارك، وأَزعجتك من قَرارك، وسلبتْك تاجِ مُلكك ثم ماتت، فعملت جلودها سِياطاً يضرب بها قومُك ضربَ العبيد، ثم قهقه. ثم قال: لا تَدع نفسك والتعرّضَ لما تكره. فقال الفضل: لقد عُوقبتُ على غير ذنب، والحمد للّه. قال الرشيد: أخطأتَ في كلامك يرحمك اللّه، لو قلتَ: وأستغفر اللّه، قلتَ صواباً، وإنما يُحمد الله على النعم. ثم صَرف وجهه إليّ، وقال: ما أحسن ما أدَّيت في قدر ما سئلت؟ أسمعني كلمةَ عديِّ بن الرّقاع في الوليد ابن يزيد بن عبد الملك:
عَرف الدِّيار توهماً فاعتادها
فقال الفضل: يا أمير المؤمنين، ألبستْنا ثوبَ السهر ليلتَنا هذه لاستماع الكذب، لمَ لا تأمره أن يُسمعك ما قالت الشعراء فيك وفي آبائك؟ قال: ويحك! إنه أدب ما يُخطب أبكاره بالنّسب، وقلّما يُعتاض عن مثله. ولأن أسمع الشعر ممن يَخْبره وشغلته العنايةُ به عُمرَه أحبُّ إليّ من أن تُشافهني به الرُّسوم. وللمُمتَدح بهذا الشعر حركات ترد عليها فلا تصدُر من غير انتفاع بها. ولا أكون أول مُستنّ طريقة ذِكْر لم تؤدها الرواية. قال الفضل: قد والله يا أميرَ المؤمنين شاركتُك في الشوق، وأعنتُك على التّوْق. ثم التفتَ إليّ الفضلِ، فقال: أحْدُ بنا ليلتك مُنشداً، هذا سيدي أمير المُؤمنين قد أصغى إليك مُستمعاً، فمُر وَيحك في عِنان الإنشاد، فهي ليلة دهرك لن تنصرف إلا غانماً. قال الرشيد: أمّا إذا قطعتَ عليّ فأحلف لتشركنّي في الجزاء. فما كان لي في هذا شيء لم تُقاسمنيه. قال الفضل: قد والله يا أمير المؤمنين وطنت نفسي على ذلك متقدّماً فلا تَجعلنّه وعيداً. قال الرشيد: ولا أجعله وَعيداً. قال الأصمعي: الآن ألبس رداء التِّيه على العرب كلها، إني أرى الخليفة والوزير وهما يَتناظران في المَواهب لي. فمررتُ في سنن الإنشاد، حتى إذا بلغتُ إلى قوله:
تُزْجِي أَغنَّ كأن إبرة رَوْقة ... قَلَم أصابَ من الدَّواة مِدادَها
فاستوى جالساً، ثم قال: أتحفظ في هذا شيئاً؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال الفرزدق: لما قال عَدي:
تزجي أغنّ كأن إبرة رَوْقة
قلت لجرير: أيّ شيء تراه يناسب هذا تشبِيهاً؟ فقال جرير:
قلم أصاب من الدَّواة مِدادَها
فما رجع الجواب حتى قال عديّ:
قَلم أصاب من الدَّواة مدادها
فقلت لجرير: ويحك! لكأن سَمعَك مَخبوء في فؤاده. فقال جرير: اسكت، شغَلني سَبُّك عن جَيّد الكلام. ثم قال الرشيد: مُرَّ في إنشادك. فمضيت حتى بلغت إلى قوله:
ولقد أراد الله إذ ولاكها ... من أُمةٍ إصلاحَها ورَشادها
قال الفضل: كذب وما برّ. قال الرشيد: ماذا صَنع إذ سمع هذا البيت؟ قلت: ذكرت الرواةُ يا أمير المؤمنين أنه قال: لا حول ولا قوة إلاّ باللّه. قال: مُرّ في إنشادك. فمضيت حتى بلغت إلى قوله:
تأتيه أَسْلاب الأعِزة عَنوَةً ... عُصَباً وتَجمع للحُروب عَتادَها
قال الرشيد: لقد وصفه بحَزم وعزم، لا يَعْرِض بينهما وَكْلٌ ولا استذلال.
قال: فماذا صَنع؟ قلت: يا أمير المؤمنين ذكرت الرواة أنه قال: ما شاء اللّه. قال: أحسبك وَهمت؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أنت أولى بالهِداية، فليردّني أميرُ المؤمنين إلى الصواب. قال: إنما هذا عند قوله:
ولقد أراد الله إذ ولاّكها ... من أُمة إصلاحَها ورشادَها
ثمّ قال: والله ما قلت هذا عن سَمع، ولكنني أعلم أنّ الرجل لم يمكن يُخطئ في مثل هذا. قال الأصمعيّ: وهو والله الصواب. ثم قال: مُرَّ في إنشادك. فمضيتُ حتى بلغت إلى قوله: