FluentPlex

The Unique Necklace

باب في رواة الشعر

Original text Public domain

Read with the dictionary

وأعلم أنّ تقيّةَ الشعراء من حِفظ الأعراض التي أمر الله تعالى بحفظها. وقد وضعنا في هذا الكتاب باباً فيمن وضعه الهجاء، ومَن رفعه المدح.

وكان لزياد عامل على الأهوازِ يقال له: تَيم. فمدحه رجلٌ من الشعراء فلم يعطه شيئاً. فقال له الشاعر: أما إني لا أهجوك، ولكنّني سأقول فيك ما هو شرّ عليك من الهجاء فدخل على زياد فأسمعه شعراً مدحه فيه، وقال في بَعضه:

وكائن عند تَيْم مِن بُدُور ... إذا ما صُفِّدتْ تدعو زِياداً

دعَتْه كي يُجيب لها وشيكاً ... وقد مُلئت حناجرُها صِفاداً

فقال زياد: لبّيك يا بُدور. ثم أرسل فيه، فأَغرمه مائة ألف.

باب في رواة الشعر

قال الأصمعيّ: ما بلغتُ الحلُم حتى رويتً اثني عشر ألفَ أرجوزةٍ للأعراب.

وكان خَلف الأحمر أَروى الناس للشِّعر وأعلَمهم بجيّده.

قال مَروان بن أبي حَفْصة: لما مدحْتُ المهديَّ بشعري الذي أولًه:

طرقْتك زائرةً فحيِّ خَيالَهَا ... بيضاءُ تَخْلِط بالحَياء دَلالَها

أردتُ أنْ أَعرضه على بُصراء البَصرة، فدخلتُ المسجد الجامع، فتصفَحت الحَلَق، فلم أر حَلقة أعظمَ من حَلْقة يُونس النحوي، فجلستُ إليه، فقلتُ له: إني مدحتُ المهديَّ بشعر، وأردتُ ألا أرفعه حتى أعرضَه على بصرائكم، وإني تَصفْحت الحَلق فلم أر حَلْقة أحفلِ من حَلْقتك، فإن رأيتَ أن تَسمعه مِنّي فافْعل. فقال: يا بن أخي، إنّ هاهنا خَلَفاً ولا يُمكن أحدُنا أن يَسمع شعراً حتى يحضَر، فإذا حَضر فأسْمعه. فجلستُ حتى أقبل خلف الأحمر. فلمّا جلس جلستُ إليه، ثم قلت له ما قلتُ ليونس. فقال: أنشد يا بن أخي. فأنشدتُه حتى أتيتُ على آخره. فقال لي: أنتَ والله كأعشى بكر، بل أنت أشعرُ منه حيث يقول:

رَحلتْ سُمَيّة غُدوةً أجمالهَا ... غَضْبَى عليك فما تقول بدَالهَا

وكان خَلفٌ مع روايته وحِفظه يقول الشعر فيُحسن، وينَحله الشعراء. ويقال إن الشعر المَنسوب إلى ابن أخت تأبّط شَرّاً، وهو:

إنَّ بالشِّعب الذي دون سَلْع ... لقتيلاً دَمُه ما يُطَلُّ

لخلَف الأحمر، وإنه نَحله إياه. وكذلك كان يفعل حمّاد الرواية، يَخلط الشعر القديم بأبيات له. قال حماد: ما مِن شاعر إلا قد زِدْتُ في شعره أبياتاً فجازت عليه إلا الأعشى، أعشى بكر، فإني لم أزد في شعره قطُّ غيرَ بيت فأفسدتُ عليه الشعر. قيل له: وما البيتُ الذي أدخلته في شعر الأعشى؟ فقال:

وأنكرتْني وما كان الذي نَكِرتْ ... من الحوادث إلا الشَّيبَ والصلعَا

وقال حمّاد الراوية: أرسل إليّ أبو مُسلم ليلاً فراعني ذلك، فلبستُ أكفاني ومضيتُ. فلما دخلتُ عليه تركني حتى سَكن جأشي، ثم قال لي: ما شِعر فيه أوتاد؟ قلت: من قائله أصلح اللّه الأمير؟ قال: لا أدري. قلت: فمِن شعراء الجاهلية أم مِن شُعراء الإسلام؟ قال: لا أدري. قال: فأطرقتُ حيناً أفكر فيه، حتى بدر إلى وَهمي شعر الأفوه الأوديّ حيث يقول:

لا يَصلح الناسُ فوضىَ لا سراةَ لهم ... ولا سَراةَ إذا جُهّالهم سادُوا

والبيت لا يُبتنَي إلا له عَمَد ... ولا عِمادَ إذا لم تُرْس أوتاد

فإنّ تَجمَّع أوتاد وأعمدة ... يوماً فقد بلغوا الأمر الذي كادوا

فقلت: هو قَوْل الأَفوه الأودي أصلح الله الأمير، وأنشدته الأبيات. فقال: صدقتَ، انصرفْ إذا شئتَ. فقمتُ، فلما خطوتُ البابَ لحَقني أعوان له معهم بَدْرة، فصَحِبوني إلى الباب. فلما أردتُ أن اقبضها منهم، قالوا: لا بُدّ مِن إدخالها إلى موضع مَنامك. فدخلوا معي، فعرضتُ أنْ أعطيهِم منها. فقالوا: لا نقدم على الأمير.

الأصمعيّ قال: أقبل فِتْيان إلى أبي ضمضم بعد العشاء، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جِئنا نتحدّث إليك. قال: كذبتم يا خُبثاء، ولكنْ قُلتم: كَبر الشيخُ فهلم بنا عسى أن نأخذَ عليه سَقطة، قال: فأَنشدهم لمائة شاعر كُلهم اسمه عمرو.

وقال الأصمعي: فعددتُ أنا وخَلف الأَحمر فلم نَزد على أكثر من ثلاثين.

وقال الشَّعبي: لستُ لشيء من العُلوم أقلَّ رواية مني للشعر، ولو شئتُ لأنشدت شهراً ولا أعيد بيتاً.

وكان الخليل بن أحمد أروى الناس للشعر ولا يقول بيتاً. وكذلك كان الأصمعي.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account