واستاق اللَطيمة إلى خَيبر. وأتبعه المُساور بن مالك الغَطَفانَي وأسد بن خيْثم الغَنوى حتى دخل خَيبر. فكان البرّاض أولَ مَن لَقِيهما، فقال لهما، مَن الرجلان؟ قالا: من غَطفان وغَنيّ. قال البرّاض: ما شأن غَطَفان وغنىّ بهذه البلدة؟ قال: ومَن أنت؟ قال: من أهل خَيبر. قالا: ألك عِلْم بالبرّاض؟ قال: دَخل علينا طريداً خليعاً فلم يُؤْوِه أحد بخَيبر ولا أَدخله بيتاً. قالا: فأين يكون؟ قال: وهل لكما به طاقةٌ إن دللتكما عليه؟ قالا: نعم. قال: فانزلا. فنزلاً وعَقلاً راحلتَيْهما. قال: فأيّكما أجرأ عليه، وأمضى مَقْدماً، وأحدّ سيفاً؟ قال الغَطفاني: أنا. قال البرَّاض: فانطلقْ أدلُّك عليه، ويحفظ صاحبُك راحلتيكما. ففَعل. فانطلق البرَّاض يَمشي بين يدي الغَطفانيّ حتى انتهى إلى خَربة في جانب خَيبر خارجة عن البيُوت. فقال البرَّاض: هو في هذه الخَرِبة وإليها يَأْوي، فأَنظرني حتى أنظرُ أثمَّ هو أم لا. فوقف له ودخل البرّاض، ثم خرج إليه وقال: هو نائم في البَيت الأقصى خلفَ هذا الجدار عن يمينك إذا دخلت، فهل عندك سيفٌ فيه صرامة؟ قال: نعم. قال: هاتِ سَيفك أنظرُ إليه أصارم هو؟ فأعطاه إياه. فهزِّه البرّاض ثم ضَربه بن حتى قَتله، ووضع السيفَ خلفَ الباب، وأقبل على الغنويّ، فقال: ما وراءك؟ قال: لم أَرَ أجبنَ من صاحبك، تركته قائماً في الباب الذي فيه الرجل، والرجلُ نائم لا يتقدم إليه ولا يتأخَر عنه. قال الغنويّ: يا لَهْفاه، لو كان أحد ينظرُ راحلتَينا؟ قال البراض: هما علي إن ذهبت. فانطلق الغنويُّ والبراض خلفه، حتى إذا جاوز الغنويّ بابَ الخَرِبة أخذ البرَّاض السيفَ من خلف الباب، ثم ضرَبه حتى قتله وأخذ سِلاحَيهما وراحلتيهما ثم انطلق. وِبلغ قريشاً خبرُ البرَّاض بسُوق العكاظ، فخَلصوا نَجِيَّاً. وأتبعتهم قَيس لمّا بلغهم أن البرَّاص قتل عُروة الرحَّال، وعلى قيس أبو بَراء عامر بن مالك. فأدركوهم، وقد دخلوا الحرم، ونادَوْهم: يا معشر قريش، إنَّا نُعاهد الله أن لا نُبطل دم عُروة الرحَّال أبداً، ونقتل به عظيماً منكم، وميعادنا وإيّاكم هذه الليالي من العام المُقبل. فقال حرب بنُ أُمية لأبي سفيان ابنه: قل لهم: إنّ موعدكم قابِل في هذا اليوم. فقال خِداشُ بن زُهير، في هذا اليوم، وهو يوم نَخلة:
يا شدَةً ما شدَدْنا غَيرَ كاذبةٍ ... على سَخِينةً لولا البيت والحَرمُ
لما رأَوْا خيلَنا تُزْجَى أوائلُها ... اسادُ غِيل حَمى أشبالِها الأجَم
واستُقبلوا بضِراب لا كِفاءَ له ... يُبْدِي من العُزل الأكفال ما كَتموا
ولَوا شلالاً وعُظمُ الخيل لاحقة ... كما تَخُب إلى أوطانها النَّعَم
ولَت بهم كل مِحْضارٍ مُلَمْلمةٌ ... كأنَّها لِقْوة يَحْتثها ضَرَم
وكانت العرب تسمي قريشاً سَخِينة، لأكلها السُّخن.
يوم شمطَة
وهي من الفِجار الآخر، ويوم نخلة منه أيضاً.
قال: فجمعت كنانة قُريشها وعبد منافها والأحابيشومَن لحق بهم من بني أسد بن خُزيمة. وسلَّحَ يومئذ عبد الله بن جُدعان مائة كَمِيّ بأداة كاملة سِوى من سُلّح من قومه. والأحابيشُ بنو الحارث بن عبد مَناة بن كِنانة: قال: وجمعت سليم وهوازن جموعَها وأحلافها غير كِلاب وبني كعب، فإنهما لم يشهدا يوماً الفِجار غيرَ يوم نَخلة، فاجتمعوا بشْمطة من عُكاظ في الأيام التي تواعدوا فيها على قَرن الحَول، وعلى كل قَبيلة من قريش وكِنانة سيِّدها، وكذلك على قبائل قيس، غير أن أمر كِنانة كلها إلى حَرْبِ بن أمية، وعلى إحدى مُجنَّبَتها عبد الله بن جُدعان. وعلى الأخرى كريز بن ربيعة وحَرب بن أمية في القلب، وأمرُ هوازن كُلها إلى مسعود بن معتب الثّقفي. فتناهض الناس وزَحف بعضهم إلى بعض، فكانت الدائرة في أول النهار لكِنانة على هَوازن، حتى إذا كان آخرُ النهار تداعت هَوازن، وصابرت وانقشعت كنانة، فاستحرَّ القتلُ فيهم، فقُتل منهم تحت رايتهم مائة رجل، وقيل ثمانون. ولم يُقتل من قُريش يومئذ أحدٌ يذكر. فكان يوم شَمطة لهوازن على كنانة.
يوم العَبْلاء