وهو بين كنانة وهوازن. وكان الذي هاجه أنَّ رجلاً من بني كنانة كان عليه دين لرجل من بني نَصر بن مُعاوية، فأَعدم الكِنانيّ. فوافى النصريُّ بسُوق عُكاظ بقِرْد فأَوقفه في سوق عُكاظ، وقال: مَن يَبيعني مثلَ هذا بمالي على فلان؟ حتى أَكثر في ذلك. وإنما فعل ذلك النَّصريُّ تعييراً للكنانيّ ولقومه. فمرّ به رجل من بني كنانة فضرب القِرْد بسَيفه فقتله. فهتَف النصريُّ: يا لَهوازن، وهتَف الكنانيّ: يا لكنانة. فتهايج الناسُ حتى كاد أن يكونَ بينهم قتال، ثم رأوا الخطبَ يسيراً فتراجعوا، ولم يَفقم الشر بينهم.
قال أبو عبيدة: فهذه الأيام تسمى فِجاراً لأنها كانت في الأشهر الحُرم، وهي الشُّهور التي يُحرِّمونها، ففجروا فيها، فلذلك سُمِّيت فِجاراً. وهذه يقال لها: أيام الفجار الأول.
الفجار الآخر
وهو بين قُريش وكِنانة كلها وبين هوازن، وإنما هاجها البرّاض بقتله عُروة الرَّجال بن عُتبة بن جعفر بن كلاب، فأبت أن تقتل بعُرْوةَ البرّاض، لأنَّ عروة سيّد هوازن والبرّاض خليع من بني كِنانة، أرادوا أن يَقتلوا به سيّداً من قُريش. وهذه الحروب كانت قبل مَبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم بستٍّ وعِشرين سنة، وقد شَهدها النبيُّ صلى الله عليه وسلم وهو ابنُ أربعَ عشرةَ سنة مع أعمامه. وقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: كنت أنْبُل على أعمامي يومَ الفِجار وأنا ابنُ أربعَ عشرةِ سنة - يعني أناولهم النَّبل - وكان سببُ هذه الحرب أنَّ النعمان بن المُنذر ملك الحِيره كان يَبعث بسُوق عُكاظ في كُل عام لطيمةً في جِوار رجل شريف مِن أشراف العرب يُجيرها له حتى تُباع هناك، ويَشتري له بثَمنها من أدَم الطائف ما يحتاج إليه. وكانت سوق عكاظ تقوم في أول يوم من ذي القِعدة، فيتسوَّقون إلى حُضور الحج ثم يَحُجّون. وكانت الأشهر الحرم أربعةَ أشهر: ذا القعدة وذا الحجّة والمُحرم ورجب. وعكاظ: بين نخلة والطائف، وبينها وبين الطائف نحو من عشرة أميال. وكانت العربُ تَجتمع فيها للتجارة والتهيء للحجّ من أول ذي القعدة إلى وقت الحج، ويأمن بعضُها بعضاً. فجهّز النُعمان عِير اللطيمة، ثم قال: من يُجيرها؟ فقال البرَّاض ابن قيس النمريُ: أنا أجيرها على بني كنانة. فقال النّعمان: ما أريد إلا رجلاً يُجيرها على أهل نجد وتِهامة. - فقال عُروة الرحّال، وهو يومئذ رجلُ هوازن: أكَلْب خليع يُجيرها لك؟ أبيتَ اللعن، أنا أجيرها لك على أهل الشّيح والقَيْصوم من أهل نَجد وتهامة. فقال البرّاض: أعلى بني كِنانة تُجيرها يا عُروة؟ قال: وعلى الناسِ كلِّهم. فدفعها النُّعمان إلى عُروة. فخرج بها وتبعه البَرّاضُ، وعُروة لا يَخشى منه شيئاً، لأنه كان بين ظَهراني قومه من غَطَفان إلى جانب فَدك إلى أرض يقال لها أُوارة. فنزل بها عروةُ فشرب من الخمر وغنّته قَيْنة ثم قام فنام. فجاء البرَاض فدخل عليه، فناشده عُروة، وقال: كانت مني زلّة، وكانت الفعلة مني ضلّة. فقتله وخَرج يرتجز ويقول:
قد كانتا الفَعلة مني ضَلّة
هلا على غيري جعلتَ الزلّة
فسوف أَعْلو بالحُسام القُلّة.
وقال:
وداهية يُهال الناس منها ... شددتُ لها بني بَكْر ضُلوعِي
هَتكتُ بها بيوتَ بني كلاَبِ ... وأَرضعتُ الموالي بالضُّروع
جمعتُ له يديَّ بنَصَل سَيفَ ... أفلّ فخرّ كالجذْع الصرَّيعِ