FluentPlex

The Unique Necklace

باب من أخبار الدولة العباسية

Original text Public domain

Read with the dictionary

قال: فوالله ما رأيتُه إلا وحرسيَّان قابضان عليّ يُدنياني منه في جَماعة من قومي لأُبايعه. فلما نَظر إليَّ أَثبتنَي، فقال: خلِّيا عمن صحَت مودتُه، وتقدَمت حُرمته، وأخدتْ قبل اليوم بيعتُه. قال: فأكبر الناسُ ذلك من قوله، ووجدتهُ، على أوّل عهده لي، ثم قال لي: أين كنتَ عنّي في أيام أخي أبي العبّاس. فذهبتُ أعتذر. قال: أَمسِك، فإنّ لكل شيء وقتاً لا يعدوه، ولن يَفوتك إن شاء الله حظُّ مودّتك وحق مُسابقتك، فاختر بين رِزْقٍ يَسعك أو عمل يرفعك. قلت: أنا حافظ لوصيَّتك. قال: وأنا لها أحفظ، إنما نهيتُك أن تخطُب الأعمال، ولم أَنهك عن قَبولها. قلت: الرزقُ مع قرب أمير المؤمنين أحبُّ إليَّ. قال: ذلك لك، وهو أجمّ لقلبك، وأَودع لك، وأعفَى إن شاء الله ثم قال: هل زدتَ في عِيالك بعدي شيئاً، وكان قد سألني عنهم، فذكرتُهم له، فعجبتُ من حفظه، قلت: الفرسَ والخادم. قال: قد أَلحقنا عيالَك بعيالنا وخادمك بخادمنا وفرسك بخَيلنا، ولو وسعني لحملتُ إليك بيت المال، وقد ضممتُك إلى المهديّ، وأنا أُوصيه بك، فإنه أَفرغ لك مني.

قال لأحوص بن محمد الشاعر الأنصاريّ، من بني عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الذي حَمت لَحمه الدَّبْر، يُشبِّب بامرأة يقال لها أم جعفر، فقال فيها:

أدورُ ولولا أن أرى أم جَعفر ... بأبياتكم ما دُرت حيث إِدُور

وكان لأم جعفر أخٌ يقال له أيمن، فأستعدَى عليه ابنَ حَزم الأنصاري، وهو والي المدينة للوليد بن عبد الملك، وهو أبو بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزم، فبعث ابنُ حزم إلى الأحوص، فأتاه. وكان ابنُ حزم يُبغضه، فقال: ما تقول فيما يقول هذا؟ قال: وما يقول؟ قال: يزعم أنك تُشبّب بأخته ولد فضحتَه وشَهرت أخته بالشعر. فأنكَر ذلك. فقال لهما: قد اشتبه علي أمرُكما، ولكنني أدفع إلى كُل واحد منكما سَوطاً، ثم اجتِلدا، وكان الأحوص قصيراً نحيفاً، وكان أيمن طويلاً ضخماً جَلْداً. فغلب أيمنُ الأحوصَ، فضَربه حتى صَرعه وأثخنه. فقال أيمن:

لقد مَنع المعروفَ من أم جعفر ... أشمُ طويلُ السّاعدين غَيورُ

عَلاكَ بمَتن السَّوْط حتى أتْقيتَه ... بأصفرَ مِن ماء الصِّفاق يَفُور

قال: فلما رأى الأحوص تحامُلَ ابْنِ حزم عليه امتدح الوليدَ، ثم شَخص إليه إلى الشام، فدخل عليه فأنشده:

لا ترثين لَحزْميٍّ رأيتَ به ... ضُرًّا ولو ألقي الحَزميُّ في النار

الناخسين لمَروان بذي خُشُب ... المُدْخلين على عُثمان في الدار

قال له صدقتَ والله، لقد كُنّا غَفلنا عن حزم وآل حزم ثم دعا كاتبَه فقال: اكتُب عهد عثمان بن حيّان المُري على المدينة، وأعزِل ابن حزم، واكتُب بقبض أموال حَزم وآل حَزم وإسقاطهم أجمعين من الديوان، ولا يأخذون لأمويّ عطاءً أبداً ففعل ذلك. فلم يزالوا في الحِرمان للعطاء مع ذَهاب الأموال والضِّياع حتى انقضت دولةً بنى أمية وجاءت دولة بني العبّاس. فلما قام أبو جعفر المنصور بأمر الدولة قدم عليه أهل المدينة، فجلس لهم فأمر حاجبَه أن يتقدّم إلى كل رلّ منهم أن يَنتسب له إذا قام بين يديه، فلم يزالوا على ذلك يفعلون، حتى دخل عليه رجلٌ قَصير قَبيح الوجه، فلما مَثل بين يديه قال له: يا أمير المؤمنين، أنا ابنُ حزم الأنصاريّ الذي يقول فينا الأحوص:

لا تَرثينّ لحزميٍ رأيتَ به ... ضرًا ولو ألقي الحَزميُّ في النار

الناخسين لمروان بذي خُشب ... والمدخلين على عثمان في الدار

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account