العُتبي عن أبيه عن جدّه قال: لما اشتكى معاويةُ شكاتَه التي هلك فيها أرسل إلى ناس من جلّة بني أمية، ولم يحضرها سفياني غيري وغير عثمان بن محمد، فقال: يا معشر بني أمية، إني لما خِفْتُ أن يسبقكم الموتُ إليَّ سبقته بالموعظة إليكم، لا لأرد قَدَراً، ولكن لأبلغِ عُذْراً. إن الذي اخلِّف لكم من دنياي أمرٌ ستُشاركون فيه وتُغْلبون عليه، والذي أخَلف لكم من رأى أمر مقصور لكم نَفْعه إن فعلتموه، مَخوف عليكم ضرَره إن ضَيّعتموه. إن قريشاً شاركتكم في أنسابكم، وانفردتُم دونها بأفعالكم، فقدَّمكم ما تقدمتُم له، إذ أخَّر غيرَكم ما تأخروا عنه، ولقد جُهل بي فَحَلمْت، ونُقر لي ففهمت، حتى كأني أنظر إلى أبنائكم بعدكم كنظري إلى آبائهم قبلهم. إنّ دولتكم ستطول، وكل طويل مملول، وكل مملول مخذول. فإذا كان ذلك كذلك، كان سببُه اختلافَكم فيما بينكم، واجتماعَ المختلفين عليكم، فيُدْبر الأمرُ بضد ما اقبل به. فلستُ أذكر جسيماً يُركب منكم، ولا قبيحاً يُنتهك فيكم، إلا والذي أمسك عن ذكره أكثُرُ وأعظم، ولا مُعوّل عليه عند ذلك أفضلُ من الصبر واحتساب الأجر. سيمادكم القومُ دولتَهم امتداد العِنانين في عُنق الجواد، حتى إذا بلغ الله بالإمر مَداه، وجاء الوقتُ المبلول بريق النبيّ صلى الله عليه وسلم، مع الحِلْقة المطبوعة على مَلالة الشيء المَحبوب، كانت الدولةُ كالإناء المُكْفأ. فعندها أوصيكم بتقوى الله الذي لم يتَّقه غيركم فيكم، فجعل العاقبةَ لكم، والعاقبةُ للمتقين. قال عمرو بن عُتبة: فدخلتُ عليه يوماً آخر فقال: يا عمرو، أوعيتَ كلامي؟ قلت: وعيتُ. قال: أعِد عليّ كلامي فقد كلمتُكم وما أراني أمسي من يومكم ذلك. قال شبيبُ بن شَيبة الأهتميّ: حججت عامَ هلك هشامُ وولي الوليدُ بن يزيد، وذلك سنة خمس وعشرين ومائة، فبينما أنا مُريح ناحية من المسجد، إذ طلع من بعض أبواب المسجد فَتى أسمرُ رقيقُ السمرة، موفر اللمة. خفيف اللحية، رَحب الجبهة، أقنى بينّ القَنَى، أعينُ كأنّ عينيه لسانان يَنطقان، يخلط أبهة الأملاك بزيِّ النُّساك، تَقبله القلوب، وتَتبعه العيون، يُعرف الشَرف في تواضعه، والعِتْق في صُورته، واللُّب في مِشيته. فما ملكتُ نفسي أن نهضتُ في أثره سائلاً عن خبره، وسَبقنيِ فتحرَّم بالطواف، فلما سبَّع قصد المقام فركع، وأنا أرعاه ببصري. ثم نَهض مُنصرِفاً، فكأن عيناً أصابته، فكبا كَبوة دَميت لها إصْبعه، فقعد لها القرفصاء، فدنوتُ منه متوجّعاً لما ناله مُتّصلاً به، أمسح رجله من عَفر التراب، فلا يَمتنع عليَ، ثم شققتُ حاشية ثوبي فعصبت بها إصبعه، وما يُنكر ذلك ولا يَدْفعه، ثم نهض متوكئاً عليّ. وانقدتُ له أماشيه، حتى إذا أتى داراً بأعلى مكّة، ابتدره رجلان تكاد صدورهما تَنفرج من هَيبته، ففتحا له الباب. فدخل، واجتذبني فدخلتُ بدخوله، ثم خلّى يدي وأقبل على القِبْلة، فصلى ركعتين أوجز فيهما في تَمام، ثم استوى في صدر مجلسه، فحمِدَ الله وأثنى عليه وصلَّى على النبيّ صلى الله عليه وسلم أتم صلاة وأطيبها، ثم قال: لم يَخْف عليّ مكانك منذ اليوم ولا فعلُك بي، فمن تكون يرحمك اللهّ؟ قلت: شَبيب بن شيبة التميميّ. قال: الأهتميّ؟ قلتُ: نعم. قال: فرحّب وقَرّب، ووصف قومي بابين بيان، وأفصح لسان. فقلت له: أنا أجلك، أصلحك اللّه، عن المسألة، وأحب المعرفة. فتبسم وقال: لطف أهل العراق، أنا عبدُ الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس. فقلت: بأبي أنت وأمي، ما أشبَهك بنَسبك، وأدلَك على مَنْصبك، ولقد سبق إلى قلبي من محبّتك ما لا أبلغه بوَصفي لك. قال: فأحمد الله يا أخا بني تميم، فإنّا قوم يُسعد الله بحُبنا من احبّه، ويُشقي ببُغضنا من أبغضه، ولن يصل الإيمانُ إلى قلب أحدكم حتى يُحبَّ الله ويُحب رسوله، ومهما ضَعُفنا عن جزائه قوِي الله على أدائه. فقلت له: أنت تُوصف بالقلم وأنا من حَمَلته، وأيامُ الموسم ضَيقة، وشُغل أهل مكة كثير، وفي نفسي أشياء احب أن أسأل عنها، أفتأذن لي فيها جُعلت فداك؟ قال: نحن من أكثر الناس مُستوحشون، وأرجو أن تكون للسرِّ موضعاً، وللأمانة واعياً، فإِن كنتَ كما رجوتُ فافعل. قال: فقدّمت من وثائق القول والإيمان ما سكَن إليه، فتلا قولَ اللّه: " قُلْ أيّ شيءٍ أكْبرُ شهادةً قُل الله شهيد بَيْني وبَيْنكم " ثم قال: سَل عما بدا لك. قلت:
The Unique Necklace
باب من أخبار الدولة العباسيةنص أصلي Public domain
مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها
مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.