ذل السؤال شجاً في الحلق معترض ... من دونه شرق من خلفه جرض
ما ماء كفك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي إذا أفنيته عوض
إني بأيسر ما أدنيت منبسط ... كما بأكثر ما أقصيت منقبض
وقالوا: من بذل إليك وجهه فقد وفاك حق نعمتك وقالوا: أكمل الخصال ثلاث: وقار بلا مهابة، وسماح بلا طلب مكافأة، وحلم بغير ذل.
وقالوا: السخي من كان مسروراً ببذله، متبرعاً بعطائه، لا يلتمس عرض دنيا فيحبط عمله، ولا طلب مكافأة فيسقط شكره، ولا يكون مثله فيما أعطى مثل الصائد الذي يلقي الحب للطائر، لا يريد نفعها ولكن نفع نفسه.
نظر المنذر بن أبي سبرة إلى أبي الأسود الدؤلي وعليه قميص مرقوع، فقال له: ما أصبرك على هذا القميص؟ فقال له: رب مملوك لا يستطاع فراقه. فبعث إليه بتخت من ثياب. فقال أبو الأسود:
كساني ولم أستكسه فحمدته ... أخ لك يعطيك الجزيل وناصر
وإن أحق الناس إن كنت شاكراً ... بشكرك من أعطاك والعرض وافر
وسأل معاوية صعصعة بن صوجان: ما الجود؟ فقال: التبرع بالمال، والعطية قبل السؤال: ومن قولنا في هذا المعنى:
كريم على العلات جزل عطاؤه ... ينيل وإن لم يعتمد لنوال
وما الجود من يعطى إذا ما سألته ... ولكن من يعطى بغير سؤال
وقال بشار العقيلي:
مالكي ينشق عن وجهه الجد ... ب كما انشقت الدجى عن ضياء
فثجوج السماء فيض يديه ... لقريب ونازح الدار نائي
ليس يعطيك للرجاء ولا الخو ... ف ولكن يلذ طعم العطاء
لا ولا أن يقال شيمته الجو ... د ولكن طبائع الآباء
وقال آخر:
إن بين السؤال والإعتذار ... خطة صعبة على الأحرار
وقال حبيب بن أوس
لئن جحدتك ما أوليت من نعم ... إني لفي اللؤم أمضى منك في الكرم
أنسى ابتسامك والألوان كاسفة ... تبسم الصبح في داج من الظلم
رددت رونق وجهي في صحيفته ... رد الصقال بهاء الصارم الخذم
وما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي
استنجاح الحوائج
كانوا يستفتحون حوائجهم بركعتين يقولون فيهما: اللهم بك أستنجح وباسمك أستفتح، وبمحمد نبيك إليك أتوجه. اللهم ذلل لي صعوبته، وسهل لي حزونته، وارزقني من الخير أكثر مما أرجو، وأصرف عني من الشر أكثر مما أخاف.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: استعينوا على حوائجكم بالكتمان لها، فإن كل ذي نعمة محسود.
وقال خالد بن صفوان: لا تطلبوا الحوائج في غير حينها، ولا تطلبوها من غير أهلها؛ فإن الحوائج تطلب بالرجاء، وتدرك بالقضاء.
وقال: مفتاح نجح الحاجة الصبر على طول المدة، ومغلاقها اعتراض الكسل دونها.
قال الشاعر:
إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر
وقل من جد في أمر يحاوله ... فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
ومن أمثال العرب في هذا: من أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له.
أخذ الشاعر هذا المعنى فقال:
إن الأمور إذا انسدت مسالكها ... فالصبر يفتق منها كل ما ارتتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبة ... إذ تضايق أمر أن ترى فرجا
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
وقال خالد بن صفوان: فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها، وأشد من المصيبة سوء الخلف منها.
وقالوا: صاحب الحاجة مبهوت، وطلب الحوائج كلها تعزير.
وقالت الحكماء: لا تطلب حاجتك من كذاب، فإنه يقر بها بالقول، ويبعدها بالفعل؛ ولا من أحمق، فإنه يريد نفعك فيضرك، ولا من رجل له آكلة من جهة رجل، فإنه لا يؤثر حاجتك على أكلته.
وقال دعبل بن علي الخزاعي:
جئتك مسترفداً بلا سبب ... إليك إلا بحرمة الأدب
فاقض ذمامي فإنني رجل ... غير ملح عليك في الطلب