FluentPlex

The Unique Necklace

في حرب خراسان

Original text Public domain

Read with the dictionary

وأما موسى ولي عهدي، فهذا أوان توجهه إلى خراسان، وحلوله بجرجان، وما قضى الله له من الشخوص إليها، والمقام فيها، خير للمسلمين مغبة، وله بإذن الله عاقبة من المقام بحيث يغمر في لجج بحورنا، ومدافع سيولنا ومجامع أمواجنا، فيتصاغر عظيم فضله، ويتذأب مشرق نوره، ويتقلل كثير ما هو كائن منه. فمن يصحبه من الوزراء، ومن يختار له من الناس؟ قال محمد بن الليث: أيها المهدي، إن ولى عهدك أصبح لأمتك وأهل ملتك علماً قد تثنت نحوه أعناقها، ومدت سمته أبصارها. وقد كان لقرب داره منك، ومحل جواره لك: عطل الحال، غفل الأمر، واسع العذر. فأما إذا انفرد بنفسه، وخلا بنظره، وصار إلى تدبيره، فإن من شأن العامة، وأمراء الأمة، أن تتفقد مخارج رأيه، وتستنصت لمواقع آثاره، وتسأل عن حوادث أحواله، في بره ومرحمته، وإقساطه ومعدلته، وتدبيره، وسياسته، ووزرائه وأصحابه، ثم يكون ما سبق إليهم، أغلب الأشياء عليهم، فلا يفتأ المهدي - وفقه الله - ناظراً له فيما يقوي عمد مملكته ويسدد أركان ولايته، ويستجمع رضا أمته، بأمر هو أزين لحاله، وأظهر لجماله، وأفضل مغبة لأمره، وأجل موقعاً في قلوب رعيته، وأحمد حالاً في نفوس أهل ملته. ولا أوقع مع ذلك باستجماع الأهواء له، وأبلغ في استعطاف القلوب عليه، من مرحمة تظهر من فعله؛ ومعدلة تنتشر من أثره، ومحبة للخير وأهله. وإن يختار المهدي - وفقه الله - من خيار أهل كل بلدة، وفقهاء أهل كل مصر، أقواماً تسكن العامة إليهم إذا ذكروا، وتأنس الرعية بهم إذا وصفوا، ثم تسهل لهم عمارة سبل الإحسان، وفتح باب المعروف، كما قد كان فتح له وسهل عليه.

قال المهدي: صدقت ونصحت. ثم بعث في ابنه موسى، فقال: أي بني، إنك قد أصبحت لسمت عيون العامة نصباً، ولمثنى أعطاف الرعية غاية، فحسنتك شاملة، وإساءتك نامية وأمرك ظاهر. فعليك بتقوى الله عز وجل وطاعته، فاحتمل سخط الناس فيهما، ولا تطلب رضاهم بخلافهما، فإن الله عز وجل كافيك من أسخطه إيثارك رضاه، وليس بكافيك من يسخطه عليك إيثارك رضا من سواه. ثم اعلم أن لله تعالى في كل زمن عترة من رسله، وبقايا من صفوة خلقه، وخبايا لنصرة حقه؛ يجدد حبل الإسلام بدعواهم، ويشيد أركان الدين بنصرتهم، ويتخذهم لأولياء دينه أنصاراً، وعلى إقامة عدله أعوانا يسدون الخلل، ويقيمون الميل، ويدفعون عن الأرض الفساد. وإن أهل خراسان أصبحوا أيدي دولتنا، وسيوف دعوتنا، الذين نستدفع المكاره بطاعتهم، ونصرف نزول العظائم بمناصحتهم، وندافع ريب الزمان بعزائمهم، ونزاحم ركن الدهر ببصائرهم. فهم عماد الأرض إذا أرجفت كنفها، وحتوف الأعداء إذا برزت صفحتها، وحصون الرعية إذا تضايقت الحال بها. قد مضت لهم وقائع صادقات، ومواطن صالحات، أخمدت نيران الفتن، وقصمت دواعي البدع، وأذلت رقاب الجبارين، ولم ينفكوا كذلك ما جروا مع ريح دولتنا، وأقاموا في ظل دعوتنا، واعتصموا بحبل طاعتنا التي أعز الله بها ذلتهم، ورفع بها ضعتهم، وجعلهم بها أرباباً في أقطار الأرضين، وملوكاً على رقاب العالمين، بعد لباس الذل، وقناع الخوف، وإطباق البلاء، ومحالفة الأسى، وجهد البأس والضر. فظاهر عليهم لباس كرامتك، وأنزلهم في حدائق نعمتك ثم اعرف لهم حتى طاعتهم، ووسيلة دالتهم، وماتة سابقتهم، وحرمة مناصحتهم بالإحسان إليهم، والتوسعة عليهم، والإثابة لمحسنهم، والإقالة لمسيئهم.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account