FluentPlex

The Unique Necklace

في حرب خراسان

Original text Public domain

Read with the dictionary

قال المهدي: جانيت قصد الرمية، وأبيت إلا عصبية، إذ رأي الحدث من أهل بيتنا، كرأي عشرة حلماء من غيرنا. ولكن أين تركتم ولي العهد؟ قالوا: لم يمنعنا من ذكره إلا كونه شبيه جده، ونسيج وحده، ومن الدين وأهله بحيث يقصر القول عن أدنى فضله، ولكن وجدنا الله عز وجل قد حجب عن خلفه، وستر من دون عباده، علم ما تختلف به الأيام، ومعرفة ما تجري به المقادير، من حوادث الأمور، وريب المنون، المخترمة لخوالي القرون، ومواضي الملوك، فكرهنا شسوعه عن محلة الملك، ودار السلطان، ومقر الإمامة والولاية، وموضع المدائن والخزائن، ومستقر الجنود، وموضع الوجوه، ومجمع الأموال، التي جعلها الله عز وجل قطباً لمدار الملك، ومصيدة لقلوب الناس، ومثابة لإخوان الطمع، وثوار الفتن، ودواعي البدع، وفرسان الضلال، وأبناء المروق. وقلنا إن وجه المهدي ولى عهده، فحدث في جيوشه وجنوده ما قد حدث بجنود الرسل من قبله، لم يستطع المهدي أن يعقبه بغيره، إلا أن ينهض إليهم بنفسه، وهذا خطر عظيم، وهول شديد، إن تنفست الأيام بمقامه، واستدامت الحال بأيامه، حتى يقع عرض لا يستغنى فيه، أو يحدث أمر لا بد فيه منه، صار ما بعده، مما هو أعظم هولاً وأجل خطراً، له تبعاً وبه متصلاً.

قال المهدي: الخطب أيسر مما تذهبون إليه، وعلى غير ما تصفون الأمر عليه. نحن - أهل البيت - نجري من أسباب القضايا، ومواقع الأمور، على سابق من العلم، ومحتوم من الأمر، قد أنبأت به الكتب، وتتابعت عليه الرسل، وقد تناهى ذلك بأجمعه إلينا، وتكامل بحذافيره عندنا، فبه ندبر، وعلى الله نتوكل. إنه لا بد لولي عهدي، عقبي من بعدي، أن يقود إلى خراسان البعوث، ويتوجه نحوها بالجنود.

أما الأول فإنه يقدم إليهم رسله، ويعمل، فيهم حيله ثم يخرج نشطاً إليهم حنقاً عليهم يريد أن لا يدع أحد من إخوان الفتن، ودواعي البدع، وفرسان الضلال، إلا توطأه بحر القتل، وألبسه قناع القهر، وطوقه طوق الذل؛ ولا أحداً من الذين عملوا في قص جناح الفتنة، وإخماد نار البدعة، ونصرة ولاة الحق، إلا أجرى عليهم ديم فضله، وجداول بذله. فإذا خرج مزمعاً له مجمعاً عليه، لم يسر إلا قليلاً حتى يأتيه أن قد عملت حيله. وكدحت كتبه، ونفذت مكايده؛ فهدأت نافرة القلوب، ووقعت طائرة الأهواء، واجتمع عليه المختلفون بالرضا، فيميل نظراً لهم، وبراً بهم، وتعطفاً عليهم، إلى عدو قد أخاف سبيلهم، وقطع طريقهم، ومنع حجاجهم بيت الله الحرام، وسلب تجارهم رزق الله الحلال.

وأما الآخر فإنه يوجه إليهم من يعتقد له الحجة بإعطاء ما يطلبون، وبذل ما يسألون، فإذا سمت الفرق بقرانها له، وجنح أهل النواحي بأعناقهم نحوه، فأصغت إليه الأفئدة، واجتمعت له الكلمة، وقدمت عليه الوفود، قصد لأول ناحية بخعت بطاعتها، وألقت بأزمتها، فألبسها جناح نعمته، وأنزلها ظل كرامته وخصها بعظيم حبائه، ثم عم الجماعة بالمعدلة، وتعطف عليهم بالرحمة. فلا تبقى فيهم ناحية دانية، ولا فرقة قاصية، إلا دخلت عليها بركته، ووصلت إليها منفعته، فأغنى فقيرها، وجبر كسيرها، ورفع وضيعها، وزاد رفيعها، ما خلا ناحيتين: ناحية يغلب عليهم الشقاء، وتستميلهم الأهواء، فتستخف بدعوته، وتبطئ عن إجابته، وتتثاقل عن حقه، فتكون آخر من يبعث، وأبطأ من يوجه، فيضطمر عليها موجدة، ويبتغي لها علة، لا يلبث أن يجدها بحق يلزمهم، وأمر يجب عليهم، فتستلحمهم الجيوش، وتأكلهم السيوف، ويستحر فيهم القتل، ويحيط بهم الأسر، ويفنيهم التتبع، حتى يخرب البلاد، ويوتم الأولاد. وناحية لا يبسط لهم أماناً، ولا يقبل لهم عهداً، ولا يجعل لهم ذمة، لأنهم أول من فتح باب الفرقة، وتدرع جلباب الفتنة، وربض في شق العصا. ولكنه يقتل أعلامهم، ويأسر قوادهم، ويطلب هرابهم، في لجج البحار، وقلل الجبال، وخمر الأردية، وبطون الأرض، تقتيلاً وتغليلاً وتنكيلاً، حتى يدع الديار خراباً، والنساء أيامى. وهذا أمر لا نعرف في كتبناً وقتاً، ولا نصحح منع غير ما قلنا تفسيراً.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account