وفصل: أما بعد، فقد انتهى إلى أمير المؤمنين كذا فأنكره، ولا يخلو من إحدى منزلتين ليس في واحدة منهما عُذر يوجب حُجَّة، ويُزيل لائمة: إمَّا تَقصيرٌ في عمل دعاك للإخلال بالحَزْم والتَّفريط في الواجب، وإمَا مُظاهرة لأهل الفساد ومُداهنة لَأهلِ الرِّيب. وأيّة هاتين كانت منك لمُحِلّة النُّكْر بك، ومُوجبة العُقوبة عليك، لولا ما يلقاك به أميرُ المؤمنين من الأناة والنَّظِرة، والأخْذ بالْحُجة، والتقدّم في الإعذار والإنذار. وعلى حَسب ما أقِلْتَ من عَظيم العَثْرة يجب اجتهادُك في تلافي التَّقصير والإضاعة، والسلام.
وكتب طاهرُ بن الحُسين، حين أَخذ بغداد، إلى إبراهيم بن المهديّ: أما بعد، فإنه عزيز عليّ أن أكتب إلى أحد من بَيت الخِلافة بغير كلام الإمرة وسَلامها، غيرَ أنه بلغني عنك أنك مائلُ الهوى والرأي للناكث المَخلوع، فإن كان كما بَلغني فكثيرُ ما كتبت به قليلٌ لك، وإن يكن غيرَ ذلك فالسلام عليك أيها الأمير ورحمةُ اللّه وبركاته. وقد كتبتً في أسفل كتابي أبياتاً فتدبَّرها:
رُكوبُك الهَوْلَ ما لم تُلْفِ فُرْصته ... جَهل رَمى بك بالإقحام تَغريرُ
أهْوِنْ بدُنيا يُصيب المخطئون بها ... حظ المصيبين والمَغرورُ مَغرور
فازرع صوابا وخُذ بالحَزْم حَيْطته ... فلن يُذَمّ لأهل الْحَزم تَدبير
فإنْ ظَفرِت مُصيباً أو هَلكتَ به ... فأنتَ عند ذوي الألباب مَعذور
وإن ظَفِرت على جَهلً فَفُزتَ به ... قالوا جَهولٌ أعانتْه المَقادير
فصل: للحسن بن وهب: أما بعد، فالحمدُ للّه مًتمِّم النَعم برحمته، الهادي إلى شُكره بفَضله، وصلّى اللّه على سيدنا محمد عبدِه ورسوله، الذي جَمع له من الفضائل ما فَرّقه في الرُّسل قبلَه، وجَعل تُراثَه راجعاً إلى من خَصّه بخلافته، وسلّم تسليما.
فصول لعمرو بن بحر الجاحظ
منها فصول في عتاب: أما بعد، فإنّ المُكافأة بالإحسان فَريضة، والتفضّلَ على غير، ذوي الإحسان نافلة.
أما بعد، فليكن السكوتُ على لسانك، إن كانت العافيةُ من شأنك.
أما بعد، فلا تَزهد فيمن رَغب إليك فتكون لحظّك مُعاندا، وللنعمة جاحدا.
أما بعد، فإنَّ العقل والهوى ضدان، فقَرينُ العقل التوفيق، وقَرينُ الهوى الخِذْلان، والنفسُ طالبة، فبأيهما ظَفِرتْ كانت في حِزْبه.
أما بعد، فإنً الأشخاصَ كالأشجار، والحركاتِ كالأغصان، والألفاظَ كالثمار.
أما بعد، فإن القلوب أوعية، والعقولَ معادن، فما في الوعاء يَنفد إذا لم يُمدّه المعدن.
أما بعد، فكَفى بالتجارب تأديباً، وبتقلب الأيام عِظة، وبأخلاق مَن عاشرت مَعرفة، وبذِكرك الموت زاجرا.
أما بعد، فإن احتمال الصبر على لَذع الغَضب أهونُ من إطفائه بالشَّتم والقَذع.
أما بعد، فإن أهل النَظر في العواقب أولو الاستعداد للنوائب، وما عَظمت نِعْمة امرىء إلا استغرقت الدنيا همتُه، ومَن فَرغ لطلب الآخرة شُغله جعلَ الأيام مطايا عمله، والآخرة مَقيل مُرتحله.
أما بعد، فإن الاهتمام بالدنيا غيرُ زائد في الرزق والأجل، والاستغناءَ غير ناقص للمقادير.
أما بعد، فإنه ليس كل مَن حَلُم أمسك، وقد يُستجهل الحليم حين يستخفه الهُجر.
أما بعد: فإن أحببتَ أن تَتم لك المِقةُ في قلوب إخوانك، فاستقلّ كثيراً مما توليهم.
أما بعد، فإن أنظر الناس في العاقبة مَن لَطُف حتى كف حربَ عدوه بالصَّفح والتجاوز، واستلّ حقدَه بالرفق والتحبب.
وكتب إلى أبي حاتم السِّجِسْتاني، وبلغه عنه أنه نال منه: أما بعد، فلو كففتَ عنّا من غَرْبك لكنا أهلاً لذلك منك، والسلام. فلم يَعُد أبو حاتم إلى ذكره بقبيح: وله فصول في وصاة: أما بعد، فإن أحق فَي أسعفتَه في حاجته، وأجبته إلى طَلِبته، مَن توسّل إليك بالأمل، ونَزع نحوك بالرجاء.
أما بعد، فما أقبحَ الأحدوثة من مُستمنح حَرمْتَه، وطالبِ حاجة رددتَه، ومًثابر حَجبتَ، ومُنبسط إليك قبضتَه، ومُقبل إليك بعًنانه لويتَ عنه. فتثبَّت في ذلك، ولا تُطِع كل حلاَّف مهين، هماز مشاء بنميم.