FluentPlex

The Unique Necklace

في حرب خراسان

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

قال علي: أيها المهدي، إن أهل خراسان لم يخلعوا من طاعتك يداً، ولم ينصبوا من دونك أحداً يكدح في تغيير ملكك، ويربض الأمور لفساد دولتك، ولو فعلوا لكان الخطب أيسر، والشأن أصغر، والحال أذل؛ لأن الله مع حقه الذي لا يخذله، وعند موعده الذي لا يخلفه. ولكنه قوم من رعيتك، وطائفة من شيعتك، الذين جعلك الله عليهم والياً، وجعل العدل بينك وبينهم حاكماً. طلبوا حقاً، وسألوا إنصافاً، فإن أجبت إلى دعوتهم،ونفست عنهم قبل أن تتلاحم منهم حالاً، أو يحدث من عندهم فتق، أطعت أمر الرب، وأطفأت نائرة الحرب، ووفرت خزائن المال، وطرحت تغرير القتال، وحمل الناس محمل ذلك على طبيعة جودك، وسجية حلمك، وإسجاح خليقتك، ومعدلة نظرك. فأمنت أن تنسب إلى ضعف. وأن يكون ذلك لهم فيما بقى دربة. وإن منعتهم ما طلبوا، ولم تجبهم إلى ما سألوا، اعتدلت بك وبهم الحال، وساويتهم في ميدان الخطاب. فما أرب المهدي أن يعمد إلى طائفة من رعيته، مقرين بمملكته، مذعنين لطاعته، لا يخرجون أنفسهم عن قدرته، ولا يبرئونها من عبوديته، فيملكهم أنفسهم، ويخلع نفسه عنهم، ويقف على الجدل معهم، ثم يجازيهم السوء في جد المقارعة، ومضمار المخاطرة؟ أيريد المهدي - وفقه الله - الأموال؟ فلعمري لا ينالها ولا يظفر بها إلا بإنفاق أكثر مما يطلب منهم، وأضعاف ما يدعي قبلهم. ولو نالها فحملت إليه، ووضعت بخرائطها بين يديه، ثم تجافى لهم عنها، وطال عليهم بها، لكان ذلك مما إليه ينسب، وبه يعرف، من الجود الذي طبعه الله عليه؛ وجعل قرة عينه ونهمة نفسه فيه فإن قال المهدي: هذا رأي مستقيم سديد في أهل الخراج الذين شكوا ظلم عمالنا، وتحامل ولاتنا؛ فأما الجنود الذين نقضوا مواثيق العهود، وأنطقوا لسان الإرجاف وفتحوا باب المعصية، وكسروا قيد الفتنة، فقد ينبغي لهم أن أجعلهم نكالاً لغيرهم وعظة لسواهم، فيعلم المهدي أنه لو أتي بهم مغلولين في الحديد، مقرنين في الأصفاد، ثم اتسع لحقن دمائهم عفوه، ولإقامة عثرتهم صفحه، واستقبالهم لما هم فيه من حربه، أو لمن بإزائهم من عدوه لما كان بدعاً من رأيه، ولا مستنكراً من نظره. لقد علمت العرب أنه أعظم الخلفاء والملوك عفواً، وأشدها وقعاً، وأصدقها صولة، وأنه لا يتعاظمه عفو، ولا يتكاءده صفح، وإن عظم الذنب، وجل الخطب. فالرأي للمهدي - وفقه الله تعالى - أن يحل عقدة الغيظ بالرجاء لحسن ثواب الله في العفو عنهم، وأن يذكر أولى حالاتهم، وضيعة عيالاتهم، براً بهم وتوسعاً لهم؛ فإنهم إخوان دولته، وأركان دعوته، وأساس حقه الذين بعزتهم يصول، وبحجتهم يقول. إنما مثلهم فيما دخلوا فيه من مساخطه، وتعرضوا له من معاصيه، وانطووا فيه عن إجابته، ومثله في قلة ما غير ذلك من رأيه فيهم، أو نقل من حاله لهم، أو تغير من نعمته عليهم، كمثل رجلين أخوين متناصرين متوازرين، أصاب أحدهما خبل عارض، ولمم حادث، فنهض إلى أخيه بالأذى، وتحامل عليه بالمكروه، فلم يزد ذلك أخاه إلا رقة له، ولطفا به، واحتيالاً لمداواة مرضه، ومراجعة حاله، عطفاً عليه، وبراً به، ومرحمة له.

فقال المهدي: أما علي فقد نوى سمت الليان، وفض القلوب عن أهل خراسان، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون. ثم قال: ما ترى يا أبا محمد؟ يعني موسى ابنه.

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا