FluentPlex

The Unique Necklace

ما يجوز في الكتابة وما لا يجوز فيها

Texto original Public domain

Leer con el diccionario

الذي ندبتها إليه، وأنزعَ إلى اٍلموضع الذي راودتًها عليه، فأوْقعها فيه، ولا تجعل اللَفظة قَلِقة في موضعها، نافرةً عن مكانها، فإنك متى فعلت هجّنت الموضع الذي حاولت تَحسينه، وأفسدتَ المكان الذيِ أردت إصلاحه؛ فإنَ وضع الألفاظ في غير أماكنها، وقَصْدَك بها إلى غير مًصابها، وإنما هو كتَرْقيع الثوب الذي لم تتشابه رقاعه، ولم تتقارب أجزاؤه، فخرج من حَدّ الجدّة، وتغيّر حُسْنه، كما قال الشاعر:

إنّ الجديدَ إذا ما زيد في خَلَقٍ ... تَبَن الناسُ أنّ الثوبَ مَرْقوعُ

وكذلك كلما احلولى الكلامُ وعَذُب وراق وسَهُلت مخارجه كان أسهلَ وُلوجاً في الأسماع، وأشدّ اتصالاً بالقُلوب، وأخفّ على الأفواه؛ لا سيّما إذا كان المعنى البديع مُترجَما بلفظ مِونِق شريف، ومُعايَراً بكلامٍ عَذْب لم يَسِمْه التكليف بميسمه، ولم يُفسده التّعقيد باستغلاقه.

وكتب عيسى بن لَهيعة إلى أخيه أبي الحسن وزَوَر كلامه وجاوز المِقدار في التنطّع، فوقع في أسفل كتابه:

أنيَّ يكون بليغاً ... من اسمه كان عِيْا

وثالثُ الحرف منه ... أذًى كفيت ميسًّا

قال: وبلغني أن بعض الكتَّاب عاد بعضَ الملوك فوجده يئن مَن علّة، فخرج عنه ومرّ بباب الطاق، فإذا بطيْر يدعى الشَفانين، فاشتراه وبعث به إليه، وكتب كتابَاً وتنطّع في بلاغته: وتذكرْ أنه يقال له شَفانين، أرجو أن يكون شفاءً من أنين. فرفع في أسفل الكتاب: والله لو عطستَ ضَبًّا ما كنت عندنا إلا نبطيا، فاقصر عن تنًطّعك، وسَهِّل كلامك.

قوله: لو عَطست ضبّا، يريد أن الضباب من طعام الأعراب وفي بلدهم؛ فقال: لو عَطستَ فنثرت ضباً من عُطاسك لم تُلحَق بالأعراب ولم تكن إلا نَبطيّاً. وقد جاء في بعض الحديث: إن القِطّ من نثرة عَطْسة الأسد، وإن الفأر من نثرة عَطسة الْخِنزير. فقال هذا: لو أن الضبّ من نَثرتك لم تكن إلا نبطياً. وفي هذا المعنى قال مخلد الموصليّ يهجو حَبيبا:

أنت عندي عربيّ ... ليس في ذاك كلامْ

شَعْر ساقيك وفَخْذي ... ك خُزامَى وثُمام

وقَذَى عَينك صِبْغ ... ونَواصيك ثَغام

وضُلوع الصدر من شل ... وكَ نَبْع وبَشَام

لو تحرّكت كذا ان ... جَفلت منك نَعَام

وظباءٌ راتعا ... ت وَيرابيع عِظام

وحَمام يتغنّى ... حبذا ذاك الْحَمام

أنا ما ذنبي لأنْ ... كذِّبني فيك الأنام

وفتًى يحلف ما إن ... عَرَّقتْ فيه الكرام

ثمِ قالوا جاسميّ ... من بني الأنباط حام

كَذبوا ما أنت ... إلا عربيّ والسّلام

وقد رأيتُهم شبّهوا المعنى الخفيّ بالروح الخفي، واللفظ الظاهر بالجًثمان الظاهر، وإذا لم ينهضِ بالمعنى الشريف الْجَزْل لفظٌ شريف جزل لم تكن العبارة واضحة، ولا النظام مُتّسقاً، وتضاؤُل المعنى الحَسن تحت اللفظ القبيح كتضاؤل الْحَسناء في الأطمار الرثة.

وإنما يدل على المعنِى أربعة أصناف: لفظ وإشارة وعَقد وخط. وقد ذكر له أرسطا طاليس صِنفاً خامساَ في كتاب المنطق، وهو الذي يسمى النَصيبة. والنَّصيبة: الحال الدالّة التي تقوم مقام تلك الأصناف الأربعة، وهي الناطقة بغير لفظ، ومُشير إليك بغير يد. وذلك ظاهر في خَلْق السموات والأرض وكل صامت وناطق. وجميع هذه الأصناف الخمسة كاشفة عن أعيان المَعاني، وسافرة عن وُجوهها. وأوضح هذه الدلائل وأفصح هذه الأصناف، صِنْفان، هما: القلم واللسان، وكلاهما للقلب تَرجمان. فأما اللسان فهو الآلة التي يخرج الإنسان بها عن حدّ الاستبهام إلى حدّ الِإنسانية بالكلام، ولذلك قال صاحب المنطق: حدُ الإنسان الحيّ الناطق. وقالت هشام بن عبد الملك: إن اللّه رفع درجة اللَّسان فانطقه بين الجوارح. وقال عليّ بن عبيده: إنما يُبين عن الإنسان اللسان، وعن المودّة العينان. وقال آخرً: الرجل مخبوء تحت لسانه. وقالوا: المرء بأصغريه: قلبه ولسانه. وقال الشاعر:

وما المرء إلا الأصغران لسانُه ... ومَعْقولُه والجسمُ خَلْق مُصَوَّرُ

Pasa el cursor sobre cualquier palabra de esta página para ver su significado

Con una cuenta gratuita, pasa el cursor sobre cualquier palabra de la biblioteca para ver su significado, escúchala en voz alta, guarda palabras para repasarlas al ritmo de tu memoria y descubre cuánto de cada libro ya conoces.

Crear cuenta gratuita