FluentPlex

The Unique Necklace

ما يجوز في الكتابة وما لا يجوز فيها

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

فامتثِل هذه المذاهب، واجر على هذه القواعد، وتحفّظ في صُدور كُتبك وفًصولها وخواتمها، وضَع كل معنى في موضع يليق به، وتخير لكل لفظة معنى يشاكلها، وليكن ما تختم به فُصولك في موضع ذكر البَلْوى بمثل: نسأل اللّه دَفْعَ المَحْذور، وصَرف المكروه، وأشباه هذا؟ وفي موضعِ ذكر المُصيبة: إنا للّه وإنا إليه راجعون؟ وفي موضع ذكر النِّعمة: الحمد لله خالصاَ والشكر لله واجباً. فإن هذه المواضع يجب على الكاتب أن يتفقَدها ويتحفظ فيها؛ فإن الكاتب إنما يصير كاتباً بأن يَضع كل معنى في موضعه، ويعلق كل لفظة على طبقتها من المعنى. واعلم أنه لا يجوز في الرسائل استعمالُ ما أتت به أيُ القرآن من الاقتصار والحذف، ومخاطبة الخاصّ بالعام والعام بالخاصّ، لأنَّ الله جل ثناؤه خاطَب بالقرآن قوماً فُصحاء فَهِموا عنه جلّ ثناؤه أمرَه ونَهيه ومُراده، والرسائل إنما يُخاطب بها أقوامٌ دخلاء على اللغة، لا علم لهم بلسان العرب. وكذلك ينبغي للكاتب أن يَجتنب اللفظ المشترك والمعنى المًلْتبس، فإنه إذن ذهب يُكاتب على مثل معنى قول الله تعالى: " واسأل القَرْية التي كُنّا فيها والعِيَر التي أقبلنا فيها " وكقوله تعالى: " بل مَكْر الليل والنهار " ، أحتاج الكاتب أن يُبين معناه: بل مكرهم بالليل والنهار، ومثل هذا كثير لا يتسع الكتاب لذكره. وكذلك لا يجوز أيضاًً في الرسائل والبلاغات المشهورة ما يجوز في الأشعار المَوزونة، لأنّ الشاعر مُضطر، والشِّعرَ مَقْصور مقيَّد بالوزن والقوافي، فلذلك أجازوا لهم صَرْفَ ما لا ينصرف من الأسماء، وحذفَ ما لا يُحذف منها، واغتفروا فيه سوء النظم، وأجازوا فيه التَّقديم والتأخير، والإضمار في موضع الإظهار، وذلك كله غير مُستساغ في الرسائل ولا جائز في البلاغات. فمما أجيز في الشعر من الحذف مثل، قول الشاعر:

قواطناً مَكةَ من وُرْق الحَمَى يعني الحمام

وقول الآخر:

صِفر الوشاحين صَموت الخَلْخل يريد: الخلخال

وكقول الآخر:

دار لسَلْمَى إذ مِن هَواكا يريد: إذ هي

وكقول الحُطيئة:

فيها الرماحُ وفيها كلُّ سابغة ... جَدْلاء مَسْرودة من صُنع سلّاَم

يريد: سليمان. وكقول الآخرً:

من نَسْج داود أبي سلاَّم ... والشيخ عُثمان أبي عفّان

أراد: عثمان بن عفان. وكما قال الآخرً:

وسائلةٍ بثَعلبةَ بنِ سَير ... وقد عَلِقت بثَعلبةَ العَلوقُ

وأراد: ثَعلبة بن سيّار. وكما، قالً الآخرً:

ولستُ بآتيه ولا أسُتطيعه ... ولاكِ اسقني إن كان ماؤك ذا فَضْل

أراد: ولكن.

وكذلك لا ينبغي في الرسائل أن يُصغَّر الاسم في موضع التَّعظيم، وإن كان ذلك جائزاً، مثل قولهم: دُويهية، تصغير داهية. وجُذلِل، تصغير جِذْل. وعُذيق، تصغير عَذق. وقال الشاعر، هو لَبيد:

وكُل أناس سوف تَدْخل بينهم ... دُويهيةٌ تَصْفرّ منها الأناملُ

وقال الحُباب بن المُنذر، يومَ سَقيفة بني ساعدة: أنا عُذَيقها المُرجّب، وجُذيلها المُحكّك. وقد شرحه أبو عبيد.

ومما لا يجوز في الرّسائل وكَرهوه في الكلام أيضاً مثلُ قولهم: كلّمتُ إياك، وأعني إيّاك، وهو جائز في الشعر. وقال الّشاعر:

وأحْسِنْ وَأَجْمِلْ في أسيرك إنّه ... ضعيفٌ ولم يأسِر كإياك آسرُ

وقال الراجز:

إياك حتى بلَغت إياك

فتخَيَّر من الألفاظ أرجحَها لفظاً، وأجزَلها معنى، وأشرفَها جوهراً، وأكرِمَها حسباً، وأليقها في مكانها، وأشكلها في موضعها؛ فإن حاولت صَنعة رسالة فزِن اللَّفظة قبل أن تُخرجها بميزانِ التِّصريف إذا عَرضت، وعاير الكلمة بمعيارها إذا سنَحت، فإنه ربما مَرّ بك موضعٌ يكون مخرج الكلام إذا كتبتَ: أنا فاعل، أحسنَ من أن تكتب: أنا أفعل، وموضع آخرً يكون فيه: استفعلت، أحلى من: فعلت. فأدِر الكلام على أماكنه، وقلِّبه على جميع وُجوهه، فأيّ لَفظة رأيتَها أخف في المكان

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا