سَرْجون بن منصور الرومي، كاتبٌ لمعاوية ويزيدَ ابنه ومَرْوان بن الحَكم وعبد الملك بن مَرْوان، إلى أن أمره عبدُ الملك بأمرِ فتوانىَ فيه، ورأى منه عبدُ الملك، بعضَ التفريط، فقال لسُليمان بن سَعْد كاتِبه على الرًّسائل: إنَّ سرَجون يُدِلّ علينا بصناعته، وأظن أنه رأى ضَرورتنا إليه في حِسابه، فما عندك فيه حِيلة؟ فقال: بلى، لو شئت لحوَّلتُ الحِساب من الرُّومية إلى العربية. قال: أفعل. قال: أَنظرني أعانِ ذلك. قال: لكَ نَظِرة ما شئْت. فحَوَّل! الديوانَ، فولّاه عبدُ الملك جميعَ ذلك. وحسَّان النَّبَطيّ كاتِبُ الحجَّاج، وسالم مولى هِشام بن عبد الملك، وعبد الحميدُ الأكبر، وعبدُ الصَمد، وجَبلة بن عبد الرحمن، وقَحْذم، جَدّ الوليد بن هشام القَحْذمي، وهو الذي قلب الدواوين من الفارسية إلى العربية. ومنهم: الفَرَّاء، كاتبُ خالد بن عبد اللّه القسْريّ. ومنهم: الربيع، والفَضل بن الربيِع، ويعقوب بن داود، ويحيى بن خالد وجَعفر بن يحيى، وأبو محمد، عبد اللّه بن المُقَفّع، والفَضْل ابن سَهل، والحَسن بن سَهل، وجَعفر بن محمد بن، الأشعث، وأحمد بن يوسف، وأبو عبد السلام الجُنْد يسابوريّ، وأبو جعفر محمد بن عبد الملك الزيَّات، والحسن بن وَهْب، وإبراهيم بن العبّاس الصُولي، ونَجاح بن سَلمة، وأحمد بن محمد بن، المًدبّر. فهؤلاء نَبُلوا بالكتابة واستحقوا اسمها.
من أدخل نفسه في الكتابة ولم يستحقها
صالح بن شيرزاد، وجعفر بن سابور، كاتب الأفشِين، والفَضْل بن مَرْوان، وداود بن الجَرَّاح، وأبو صالح عبد اللهّ بن محمد بن يَزْداد، وأحمد ابن الخصيب. فهؤلاء لَطّخوا أنفسهم بالكتابة وما دانوها.
وقال بعضَ الشعراء في صالح بن شِيرزاد:
حِمَار في الكِتابة يَدَّعيها ... كدَعْوى آل حَرْب في زِيادِ
فَدَع عنك الكِتابة لست منها ... ولو غَرَّقتَ ثوبك في المِداد
ومنهم: أبو أيّوب، ابن أخت أبي الزير، وهو القائل يَرْثي أمَّ سُليمان بن وَهْب الكاتب:
لأمّ سُليمانٍ علينا مُصِيبةٌ ... مُغَلْغلة مثلُ الحُسام البَواتِر
وكُنتِ سرِاجَ البيتِ يا أمَّ سالم ... فأضحى سراجُ البيت وَسْط المَقابر
فقال سُليمان بن وهب: ما نَزلً بأحدٍ من خَلْق اللّه ما نَزل به، ماتت أمي فرُثيت بمثل هذا الشعر، ونُقل اسمي من سُليمان إلى سالم.
صفة الكتاب
قال إبراهيم بن محمد الشَيباني: من صِفة الكاتب اعتدالُ القامة، وصِغَر الهامة، وخِفَّة اللَهازم، وكَثَافة اللِّحية، وصِدْق الحِسّ، ولُطْف المَذْهب، وحًلاوة الشمائل، وحُسْن الإشارة، ومَلَاحة الزِّي، حتى قال بعضُ المَهالبة لولده: تَزَيَّوا بزِيّ الكُتِّاب، فإن فيهم أدبَ الملوك وتواضعَ السُّوقة. وقال إبراهيم بن محمد الكاتب: من كمال آل الكِتابة أن يكون الكتاب: نَقِيّ المَلْبس، نَظيف المَجْلس، ظاهر المُروءة، عَطِر الرّائحة، دَقيق الذِّهب، صادق الحِسّ، حَسَن البيان، رَقيق حواشي اللسان، حُلْو الإشارة، مَليح الاستعارة، لطيفَ المسالك، مُسْتَقِرّ التّركيب؛ ولا يكون مع ذلك فَضفَاض الجثّة، مُتفاوت الأجزاء، طويل اللِّحية، عظيم الهامة؛ فإنهم زَعموا أنّ هذه الصورة لا يليق بصاحبها الذَّكاءُ والفِطْنة. وأنشد سعيد بن حُميد في إبراهيم بن العباس:
رأيتُ لهازمَ الكُتّاب خَفَّت ... ولهزْمتاك شأنُهما الفَدَامة
وكُتّاب الملوك لهم بَيانٌ ... كمِثْل الدُّر قد رَصَفوا نِظَامَ،
وأنت إذا نطقتَ كأنّ عَيْراً ... يَلُوك بما يَفُوه به لِجامه
وقال آخر:
عليكَ بكَاتب لَبِقٍ رَشِيقٍ ... زَكِيِّ في شَمائله حرارَه
تُناجِيه بطَرْفًك مِن بَعيد ... فيفهمُ رَجْع لَحْظك بالإشارة
ونظر أحمد بن الخَصِيب إلى رجل من الكتاب: فَدْم المنظر، مُضْطرر الخَلْق، طويل العُثْنون، فقال: لأن يكون هذا فِنْطاسٌ مُرَكب أشبهَ من أن يكون كاتباً.
فإذا اجتمعت للكاتب هذه الخلال، وانتظمت فيه هذه الخِصال، فهو الكافِ البليغ، والأديب النِّحْرِير، وإن قَصَّرت به آلة من هذه الآلات، وقَعدت به أداةٌ كل هذه الأدوات، فهو مَنقوص الجمال مُنْكسف الحِس، مَبْخوس النَصيب.