FluentPlex

The Unique Necklace

كتاب المجنبة الثانية في التوقيعات والفصول

Original text Public domain

Read with the dictionary

وفي الأم زيادة من غير أَصلها، فأوردتُها كهيئتها، وهي خُطبة لعلي كرم الله وجهه أوردت في هذه المُجنّبة تِلْو خُطبة المأمون يوم عيد الفطر: جاء رجل إلى عليّ كرم الله وجهه فقال: يا أمير المؤمنين، صِفْ لنا رَبنا لنزداد له مَحبَّة، وبه مَعْرفة. فغضب علي كرم الله وجهه، ثم نادَى: الصلاةً جامعة. فاجتمع الناسُ إليه حتى غصَ المَسجد بأهله، ثم صَعِد المنبر وهو مُغْضَب مُتغير اللون، فَحَمد اللهّ وأثنى عليه بما هو أهله، ثمّ صلّى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: الحمدُ لله الذي لا يَعُزه المنع، ولا يُكديه الإعطاء، بل كلّ مُعْطٍ يَنْقص سِواه، هو المنَّان بفرائد النِّعم، وعَوائد المَزيد، وبجُوده ضَمِنت عيالَةُ الخلق، ونُهج سَبيلُ الطلب للراغبين إليه. وليس بما يُسأل أجودَ منه بما لا يُسأل، وما اختلف عليه دَهْر فتختلفَ فيه حال، ولو وَهَب ما انشقَّت عنه معادنُ الجبال، وضَحِكت عنه أصدافُ البحار، من فِلَذ اللَّجين، وسبائك العِقْيان، وشَذْر الدرّ، وحَصيد المَرْجان، لبعض عباده، ما أَثر ذلك في مُلكه ولا في جُوده، ولا أَنفد ذلك سَعَةَ ما عنده. فعندَه من الأفضال ما لا يُنْفِده مَطْلَب وسؤال، ولا يَخْطِر لكم على بال؛ لأنه الجوادُ الذي لا تَنْقصه المواهب، ولا يُبرمه إلحاحُ الملحَين بالحوائج، إنّما أمرُه إذا أراد شيئاً أن يقول له كُن فيكُون. فما ظَنًّكم بمَن هو هكذا ولا هكذا غيرُه؟ سبحانَه وبحمده! أيها السائل، اعقل ما سألَتني عنه، ولا تسأَل أحداً بعدي، فإني أكْفيك مؤونة الطٌلب، وشِدّة التّعمق في المَذْهب. وكيف يُوصف الذي سألَتني عنه، وهو الذي عَجزت عنه الملائكة، علىِ قُربهم من كرسيّ كرامته، وطُول وَلَهم إليه، وتَعْظيمهم جلالَ عِزته، وقُربهم من غيْب ملكوته، أن يَعْلَموا من عِلْمه إلا ما علّمهم، وهم من ملكوت العرش بحيثُ هم، ومن مَعرفته على ما فَطرهم عليه، فقالوا: سُبحانك لا عِلْم لنا إلا ما عَلمتنا إنك أنت العليم الحكيم. فمدح الله اعترافهم بالعَجْز عما لم يُحيطوا به عِلْماً، وسَمّى تَرْكَهم التعمّق فيما لم يُكلفهم البحثَ عنه رُسوخاً. فاقتِصرْ على هذا، ولا تَقْدِرُ عظمةَ الله على قَدْر عقلك، فتكونَ من الهالكين. واعلم أَنّ الله الذي لم يَحْدُث فيُمِكنَ فيه التغيّرُ والانتقال، ولم يَتغيَّر في ذاته بمرور الأحوال، ولم يَختلف عليه تعاقبُ الأيّام والليالي، هو الذي خلق الخلقَ على غير مِثال أمتثله، ولا مِقدار احتذى عليه مِن خالقِ كان قبلَه؛ بلى أرَانا من مَلكوت قُدرته، وعجائب ربُوبيّته، مما نَطقت به آثار حِكْمتهَ، واضطرارِ الحاجة من الخَلق إلى أن يُفَهِّمهم مَبلغ قوَّته، ما دَلِّنا بقيام الحُجة له بذلك علينا على مَعْرفته. ولم تُحِط به الصِّفات بإدراكها إيّاه بالحدُود مُتناهياً، وما زال، إذ هو اللّه الذي لسِر كمثله شيء، عن صِفَة المَخلوقين مُتعالياً، انحسرت العُيون عَن أن تَنالَه، فيكونَ بالعِيان مَوْصوفاً، وبالذات التي لا يَعْلمها إلّا هو عند خَلْقه مَعْروفاً. وفات لعلوّه عن الأشياء مواقِعَ وَهْم المُتوهِّمين، وليسِ له مِثْل فيكونَ بالخلق مُشَبَّهاً، وما زال عند أهل المَعرفة به عن الأشباه والأنداد منزَّهاً. وكيف يكون مَن لا يُقْدَر قَدْره مُقدَّراً في روايات الأوهام، وقد ضَلّت في إدراك كيفيته حواسُّ الأنام؛ لأنه أجلُّ من أن تَحُدَّه ألبابُ البَشر بنَظير. فسبحانه وتعالى عن جَهلِ المخلوقين، وسُبحانه وتعالى عن إفك الجاهلين. ألَا وإن للّه ملائِكةً صلى الله عليه وسلم لو أَنّ مَلَكاً هَبط منهم إلى الأرض لما وَسِعَتْه، لِعظم خَلْقه وكَزْة أجنْحته؛ ومن ملائكته مَن سَدّ الآفاق بجنَاح من أَجْنحته دون سائر بَدَنه؟ ومنِ ملائكته مَن السمواتُ إلى حُجْزَته وسائرُ بدنه في جِرْم الهواء الأسفل، والأرضون إلى رُكبته؛ ومِن ملائكته مَن لو اجتمعت الإنسُ والجنّ على أن يَصِفوه ما وَصفوه، لبُعدِ ما بين مَفاصِلِه، ولحُسن تركيب صورته؛ وكيف يُوصف مَنْ سَبْعُمائة عام مِقدار ما بين مَنْكِبيه إلى شَحْمة أُذنيه؛ ومِن ملائكته مَن لو أُلقيت السُفن لا دموع عينيه لَجَرَت دَهْرَ الدَاهرين. فأين أين بأحدكم! وأين أين أن، يدرِك ما لا يُدْرَك!

كتاب المجنبة الثانية في التوقيعات والفصول

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account