العُتبيّ قال؟ استَعمل سعيدُ بن العاص وهو والٍ على المدينة ابنه عمرِو بن سَعيد والياً على مكة، فلمّا قَدِم لم يَلْقه قُرشيّ ولا أُمويّ إلاّ أن يكون الحارث بن نَوْفل، فلمّا لَقيه قال له: يا حار، ما الذي مَنع قومَك أن يَلقَوْني كما لقَيتَني؟ قال: ما مَنعهم من ذلك إلّا ما استقبلتنى به، واللهّ ما كَنَّيتني ولا أئمَمْتَ اسمي، وإنما أَنْهاك عن التّكبر على أَكْفائك، فإنَ ذلك لا يَرْفعك عليهم ولا يَضَعهم لك. قال، واللّه ما أَسأتَ المَوْعظة ولا أَتهمكُ على النَّصيحة، وإنّ الذي رأيتَ منِّي لَخُلُق. فلمّا دَخل مكةَ قام على المِنْبر فَحَمِد اللّه وأثنى عليه ثم قال: أمّا بعد، مَعْشَر أهل مكة، فإنّا سكنَاها حِقْبة، وخَرجنا عنها رَغبة، وكذاسك كُنَّا إذا رُفعت لنا لُهْوة بعد لُهوة أَخَذْنا أَسْناها ونَزَلِنا أعلاها؛ ثمٍ شَدَخِ أَمْر أمرين، فَقَتلنا وقُتلدنا؛ فوالله ما نَزعْنا ولا نُزع عَنَّا، حتى شرب الدَّم دماً، وأكل اللحم لحماً، وقَرع العَظْم عَظْماً، فَوَلي رسولُ اللهّ صلى الله عليه وسلم برسالة اللّه إيّاه، واختياره له؟ ثم وَلِي أبو بكر لسابقتِه وفَضْله؛ ثم ولَي عُمر، ثم أُجيلت قِداح نُزعن من شُعب حول نبعة، ففاز بحَظها أَصْلَبُها وأَعْتقها، فكُنّا بعضَ قداحها، ثم شَدَخ أَمر بين أمرين، فقتَلنا وقُتلنا، فوالله ما نَزعنا ولا نُزع عنا حتى شرَب الدم دماً، وأكل اللحم لحماً، وقَرعٍ العظم عظماً، وعاد الْحَرامُ حلالاً، وُأسْكت كلُّ ذِي حِسّ عنِ ضرْب مُهنَّد، عَرْكا عَرْكاً، وعَسْفاً عَسْفاً، ووَخْزاً ونَهْساً، حتى طابوا عن حَقّنا نَفْساً. واللّه ما أَعْطَوْه عن هَوادة، ولا رَضُوا فيه بالقضاء، أُصْبحوا يقولون: حَقُّنا غُلبنا عليه، فَجَزينا هذا بهذا وهذا في هذا. يأهلِ مكة، أنفسَكم أنفسكم، وسُفهاءكم سُفهاءكم، فإن معي سوطاً نكالاً، وسَيفاً وَبالاً، وكل مصبوب على أهله، ثم نزل.
خطبة للأحنف بن قيس
قال بعد حَمْد اللّه والثَّناء عليه: يا مَعْشر الأزْد ورَبيعة، أنتم! إخوانُنا في الدِّين، وشُركاؤنا في الصِّهْر، وأَشقّاؤنا في النَّسب، وجيرانُنا في الدار، ويَدُنا على العدوّ. واللّه لأزْد البَصْرة أَحَبّ إلينا من تميم الكوفة، ولأزْد الكوفة أحبًّ إلينا من تميم الشام، فإن استشرى شنانكم، وأَبَى، حَسَد صُدوركم، ففي أحلامنا وأَمْوالنا سَعة لنا ولكم.
خطبة ليوسف بن عمر
قام خطيباً فقال: اْتقوا اللهّ عباد اللّه، فكم مُؤمِّل أملاً لا يَبْلغه، وجامع مالاً لا يأكله، ومانع، عمّا سوف يَتركه، ولعلّه من باطل جمعه، ومن حق مَنَعه. أصابه حرِاماً، وأَوْرثهً عدوِّاً حلالاً بم فاحتمل إصرَه، وباء بوِزْره، ووردَ على ربِّه أسفاً لَهِفاً، خَسِرَ الدُّنيا والآخرة، ذلك هو الخُسران المُبين.
خطبة لشداد بن أوس الطائي
حَمد اللّه وأثنى عليه وقال: ألَا إنّ الدُّنيا عَرَض حاضر، يأكل منها البَرّ والفاجِر.
ألَا إن الآخِرَة وَعْد صادق، يحكم فيها مَلك قادر. ألَا إنّ الخَيْر كُلَّه بحذافيره في الجنّة، ألا إن الشر كُلَّه بحذافيره في النار. فاعْملوا ما عَمِلتم وأنتم في يقين من اللّه، واعلموا أنكم مَعْروضة أعمالكمِ على اللهّ، فمَن يَعْمل مِثْقالَ ذَرَّة خيراً يَرَه، ومَن يَعْمَل مِثْقال ذرّة شرّاً يَرَه، وغفَر اللّه لنا ولكم.
خطبة لخالد بن عبد الله القسريّ
صَعِد المِنْبر يوم جُمعة وهو والي مكّة فذكر الحجّاج فأحمد طاعته وأثنى عليه خيراً. فلمّا كان في الجمعة الثانية وَرد عليه كتابُ سُليمان بن عبد الملك يأمره فيه بشَتْم الحجّاج وذِكْر عيوبه وإظهار البَراءة منه. فَصعد المِنْبر فَحَمد اللّه وأثنى عليه ثمِ قال؟ إن إبليس كان مَلَكاً من الملائكة، وكان يُظهر من طاعةِ اللّه ما كانت الملائكة ترى له به فَضْلاً، وكان اللهّ قد عَلِم من غِشّه وخًبثه ما خَفِي على ملائكته فلمّا أَراد الله فضيحته ابتلاه بالسًّجود لآدم، فظهر لهم ما كان يخفيه عنهم، فَلعنوه؟ وإنّ الحجّاج كان يُظهر من طاعة أمير المًؤمنينِ ما كُنا نرى له به فَضْلاً، وكان اللّه قد أَطْلع أميرَ المُؤمنين من غِشّه وخُبثه على مَا خفِي عنَا، فلمّا أراد فَضيحته أَجرى ذلك على يد أَمير المُؤمنين، فالعنوه، لَعنه الله.