قال: لما أخرج أهلُ المدينة عمرو بن سعيد الأشدق، وكان واليهم بعد الوليد بن عُتبة هو الذي، أمر أهل المدينة بإخراجي، فأرْسِلْ إليه وتوثَّقه. فأرْسل إليه مُعاوية، فلما دَخل عليه، قال له عمرو: أوليد، أنت أمرتَ بإخراجي؟ قال: لا، ورَحِمك أبا أمية، ولا أمرتُ أهلَ الكوفة بإخراج أبيك، بل كيف أطاعني أهلُ المدينة فيك إلا أن تكون عَصيتَ اللهّ فيهم، إنك لتَحُلَّ عُرَى مُلك شَديدةً عُقْدتها، وتُمْري أخلاف فِيقة سريعة دِرّتها، وما جَعل اللهّ صالحاً مُصْلِحا كفاسد مًفْسِد. جلس يوماً عبدُ الملك بن مَروان وعند رأسه خالدُ بن عبد الله بن خالد بن، أسيد، وعند رجليه أُمية بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد، وأدخلت عليه الأموالُ التي جاءت من قبل الحجّاج حتى وًضعت بين يديه، فقال: هذا واللهّ التَّوفير وهذه الأمانة! لا ما فعل هذا، وأشار إلى خالد، استعملتُه على العراق فاستعمل كلّ مُلِطّ فاسق، فأدّوا إليه العَشرة واحداً، وأدّى إليَّ من العَشرة واحداً؛ وأدى إلي من العشرة واحداً، واستعملتُ هذا على خُراسان، وأشار إلى أمية، فأهدى إلى بِرْذونين حَطِمَينْ، فإن استعملتكم ضَيّعتم، وإن عزلتُكم قلتم استخفَّ بنا وقَطع أرْحامنا. فقال خالدُ بن عبد اللّه: استَعْملتَني على العرِاق وأهله رجلاًن: سماع مُطيع مُناصح، وعدوّ مُبْغض مُكاشح، فإنّا دَارَيْناه ضغْنه، وسَللنا حِقْده، وكَثّرنا لك المَودّة في صُدور رَعيتك؟ وإنّ هذا جَنى الأموالَ، وزَرع لك البَغْضاءَ في قُلوب الرِّجال، فيُوشك أنْ تَنْبُت البغضاء، فلا أموالَ ولا رجالَ. فلما خَرج ابنُ الأشعث قال عبدُ الملك: هذا واللّه ما قال خالد.
قدم محمد بن عمرو بن سعيد بن العاص الشامَ فأتى عَمَّته آمنة بنت سَعيد بن العاص، وكانتْ عند خالد بن يزيدَ بن مُعاوية، فدَخل عليه خالد، فراه، فقال له: ما يَقْدَم علينا أحدٌ من أهل الحجاز إلا اختار المُقام عندنا على المدينة. فَظَن محمدٌ أنه يُعرِّض به، فقال: وما يمنعهم وقد قَدِم من المدينة قومٌ على النَّواضح فَنَكحوا أمَّك، وسَلَبوك مُلْكك، وفَرَّغوك لطَلب الحديث، وقِرَاءة الكتب، ومُعالجة ما لا تَقْدر عليه، يعني الكيميا، وكان يَعْملها. لما عَزَل عُثمانُ عمرو بنَ العاص عن مِصْر وولاّها عبدَ اللهّ بن سَرْح، دخل عليه عمرو وعليه جُبة، فقال له: ما حَشْوُ جُبَّتك يا عمرو؛ قال: أنا؛ قال: قد علمتُ أنك فيها، ثم قال: أشَعرت يا عمرو أن اللِّقاح درَت بعدك ألبانُها بمصر؟ قال: لأنكم أعْجفتم أوْلادها. وقع بين ابن لعُمَر بن عبد العزيز وابن لسُليمان بن عبد الملك كلام، فَجَعل ابنُ عمر يذكر فضلِ أبيه؛ قال له ابنُ سليمان: إنْ شئت فأقْلِل وإنْ شِئْت فأكْثِر، ما كان أبوك إلا حسنةَ من حسنات أبي. لأنّ سُليمان هو وَلَّى عُمَر بن عبد العزيز. ذَكَرُوا أنّ العبّاس بن الوليد وجماعةً من بني مَرْوان كانوا عند هِشام، فذكروا الوليدَ بن يزيد فَحمَّقوه وعابُوه، وكان هِشام يُبغضه، ودخِل الوليدُ، فقال له العبّاس بن الوليد: كيف حُبُّك للرُّوميات؟ فإِن أباك كان مَشْغوفاَ بهن، قال: إني لأحبهن، وكيف لا يُحْبَبن وهُن يَلِدْن مِثْلَك؟ قال: اسكُت فلستَ بالفَحل يَأتي عَسْبُه بمثْلي؟ قال له هِشام: يا وليد، ما شرابك؟ قال: شرابك يا أميرَ المؤمنين، وقام فَخَرج. فقال هشام: هذا الذي تَزْعمون أنَه أحمق. وقُرِّب إلى الوليد بن يزيد فَرسُه، فَجَمع جَرَامِيزه وَوَثَب على سَرْجِه، ثم التفت إلى ولدٍ لهشام بن عبد الملك، فقال: يُحْسِنُ أبوك أن يَصنع مثلَ هذا؟ قال: لأبي مائةُ عبد يَصْنعون مثلَ هذا، فقال الناسُ: لم يُنْصِفه في الجواب. خَطَب عبد الملك بن مَرَوان بنتَ عبد الرحمن بن الحارث بن هِشام، فقالت: واللّه لا تُزَوَجني أبا الذُّباب. فتزوّجها يحيى بن الحكم. فقال عبدُ الملك ليحيى: أما واللهّ لقد تَزَوَّجْت أسْود أفوه، قال يحيى: أما إنَّها أبَّت منّي ما كرهتْ منك. كان عبدُ الملك رديءَ الفَم يَدْمى فَيقع عليه الذُباب، فسُمّي أبا الذُباب.
الجواب القاطع
نَظَر ثابتُ بن عبد اللّه بن الزبير إلى أهْل الشام، فقال: إنّي لأبغِض هذه الوُجوه؟ قال له سَعِيد بنُ عثمان: تُبغضهم لأنّهم قَتلوا أباك؟ قال: صدقتَ، ولكنّ