ابنُ الزُّبير: إنّ أبا عبد اللهّ سَكَت، وتكلّم مولاه، ولو تكلّم لأجَبْناه، أو لكَفَفْنا عن جوابه إجلالاً له، ولا جوابَ لهذا العبد. قال ذَكْوان: هذا العبدُ خيرٌ. منك، قال رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم " مولَى القوم منهم " . فأنا مولَى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأنت ابنُ الزبير بن العوام بن خُويلد، فنحن أكرمُ ولاءً وأحسن فِعْلا. قال ابنُ الزًّبير: إني لستُ أجيب هذا، فهاتِ ما عندك يا معاوية. فقال مُعاوية: قاتلك اللّه يا بنَ الزًّبير! ما أعياك وأبغاك! أتفخر بين يدي أَمير المُؤمنين وأبي عبد الله! إنّك أنت المُتعدّي لِطَوْرك، الذي لا تَعرف قَدْرَك، فَقِسْ شِبْرك بفِتْرك، ثم تعرّف كيف تَقع بين عَرانِين بني عَبْد مَناف. أما والله لئن دُفِعْتَ في بُحور بني هاشم وبني عبد شمس لقطعَتْك باع مواجها، ثم لترمين بك في لُججها. فما بقاؤك في البحور إذا غَمرتك، وفي الأمواج إذا بَهَزَتْك هنالك تعرف نفسَك، وتَنْدم على ما كان من جُرأتك، وتَمنّى ما أصبحتَ فيه من أمان، وقد حِيل بين العَيْر والنَّزَوان. فأطرق ابن الزُّبير مليًّا! ثم رَفع رأسَه فالتفت إلى مَن حوله، ثم قال: أسألكم باللّه، أَتعلمون أنَّ أبي حواريُّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وأن أباه أبا سُفيان حاربَ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم وأن أمّي أَسماءُ بنت أبي بَكْر الصدَيق، وأمه هِنْد الأَكباد؛ وجَدّي الصّدّيق، وجدَه المَشْدوخ ببدر ورَأسُ الكُفر، وعَمَّتي خديجة ذات الخَطر والحَسب، وعَمَّته أمّ جَميل حمالةُ الحَطَب، وجدَّتِي صفيّة، وجدَّته حَمامة، وزَوْجَ عمتيِ خيرُ ولد آدم محمدٌ صلى الله عليه وسلم وزوج عَمّته شرُّ ولد آدم أبو لهب سَيصلى نارًا ذات لهب، وخالتي عائشة أمّ المؤمنين. وخالَتَه أشقَى الأشقين، وأنا عبدُ اللهّ وهو مُعاوية. قال له مُعاوية: ويحك يا بن الزُّبير! كيف تَصف نفسك بما وصفتَها؟ واللّه مالَك في القَديم مِن رِياسة، ولا في الحَديث من سياسة، ولقد قُدْناك وسُدْناك قَديماً وحَديثاً، لا تَستطيع لذلك إنكاراً، ولا عنه فِراراً، وإنّ هؤلاء الخُصوم ليعلمون أن قريشاً قد اجتمعت يوم الفِجار على رياسة حَرْب بن أًمية، وأن أباك وأسرتك تحت رايته رَاضُون بإمارته، غير مُنْكرين لِفَضْله ولا طامعين في عَزله، إنْ أمَر أطاعوا، وإنْ قال أنصتوا؛ فلم تَزل فينا القيادةُ وعِزُّ الولاية حتى بَعث اللهّ عز وجلّ محمداً صلى الله عليه وسلم فأنتخبه من خير خلقه، من أسرتي لا من أسرتك، وبَني أبي لابني أبيك، فجحدته قريش أشدَ الجُحود، وأنكرته أشدَ الإنكار، وجاهدتْه أشدَّ الجهاد، إلّاَ مَن عَصم اللهّ من قُريش؛ فما ساد قريشاَ وقادهم إلا أبو سفيان ابن حرب، فكانت الفِئتان تَلتقي، ورَئيس الهُدى منّا ورئَيس الضّلالة منّا، فمَهديّكم تحت راية مَهديّنا، وضالكم تحت راية ضالّنا، فنحنُ الأربابُ وأنتم الأذناب، حتى خلّص اللهّ أبا سفيان بن حَرب بفَضْله من عَظيم شركه، وعَصمه بالإسلام من عبادة الأصنام، فكان في الجاهليّة عظيماً شأنُه، وفي الإسلام مَعروفا مكانُه، ولقد أعْطِي يومَ الفَتح ما لم يُعْطَ أحدٌ من آبائك، وإنّ مُنادِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم نادَى: مَن دخل المَسجد فهو آمِن، ومن دخل دارَ أبي سُفيان فهو أمن؛ وكانت دارُه حَرَمًا، لا دارُك ولا دارُ أبيك؛ وأما هِنْد، فكانت امرأة من قريش، في الجاهليّة عظيمة الخطرِ، وفي الإسلام كريمة الخَبر؛ وأما جَدُك الصدِّيق، فَبِتَصديق عبد مناف سُمِّي صِدِّيقاَ لا بتَصْديق عبد العُزّي؛ وأما ما ذَكرتَ من جدِّي المَشْدوخ ببدر فَلَعمري لقد دعا إلى البِراز هو وأخوه وابنُه، فلو بَرزتَ إليه أنتَ وأبوك ما بارزوكم ولا رأوْكم لهم أكفاء، كما قد طَلب ذلك غيركم فلم يَقْبلوهم، حتى برز إليهم أكفاؤُهم من بني أبيهم، فَقَضىَ اللّه مَناياهِم بأيديهم، فنحن قَتلنا ونحن قُتلنا، وما أنت وذاك؟ وأما عَمِّتك أم المُؤمنين، فبنا شرُفت وسُمِّيت أمَّ المؤمنين، وخالتُك عائشة مِثْلُ ذلك، وأما صَفِيّة، فهي أدْنتك من الظلّ ولولاها لكُنتَ ضاحِياً؛ وأمّا ما ذكرت من عمّك وخال أبيك سيّد الشُّهداء، فكذلك كانوا رَحمهم اللّه، وفخرُهم وإرثًهم لي دونك، ولا فَخَر لك فيهم، ولا إرثَ بينك وبينهم؛ وأما قولُك أنا عبدُ الله وهو مُعاوية، فقد
The Unique Necklace
مجاوبة بني هاشم وبني عبد شمس لابن الزبيرنص أصلي Public domain
مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها
مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.