يأكل معهم، فقالوا: أعرفت فينا أحداً؟ قال: بلى، عرفتُ هذا، وأشار إلى الطّعام. فقال بعض الكُتَاب يَصِف أكله: لم أرَ مِثْلَ سرطه ومَطّه قال الثاني: وأكله دَجاجة بِبطّه قال الثالث: ولَفّه رُقاقه بإقْطِه. قال الرابع: كأنّ جالينوس تحت إبْطه. فقالوا للرابع: أما الذي وَصفنا من فِعْله فمعلومِ فما يصنع جالينوس من تحت إبطه؟ قال: يًلْقِمه الجَوارش كلما خاف عليه التّخمة يهْضم بها طعامه. وقال رجل من أهل المدينة لأعرابي: ما تأكلون وما تَعافون؟ قال له الأعرابي: نأكُل كل ما دَبّ وهَبّ إلا أمّ حُبَين. قال المَدني: تَهْنيء، أمً حُبَين العافية. قال رجل من الأعراب لولده: اشتروا لي لَحْماً، فاشتَرَوْا، وطَبَخه حتى تَهَرَأ، فأكلَ منه حتىِ انتهت نفسه، ولم يبُق إلا عَظْمه، وشرَعت إليه عيون ولده، فقال: ما. أنا مُطْعمه أحداً منكم إلّا من أحْسن أكله. فقال له الأكبر: ألوكه يا أبَتِ حتى لا أدَعَ فيه للذرة مَقِيلاً؟ قال: لستَ بصاحبه، قال الآخرً: ألوكه حتى لا تَدْري ألعامه هو أم لعام أول؛ قال: لستَ بصاحبه. قال له الأصغر: أدقّه يا أبت وأجعل إدامه المخ، قال: أنت صاحبه وهو لك. بلغنيِ عن محمد بن يزيد بن مُعاوية أنه كان نازلاً بحلب على الهَيْثم بن عديِّ فَبَعث إلى ضيف له من عُذْرة أعرابي، فقال له: حَدِّث أبا عبد اللهّ بما رَأيْتَ في حَضر المسلمين من الأعاجيب؛ قال: نعم، رأيتُ أمُوراً مًعْجبة، منها: أنني دخلتُ قرْية بكر بن عاصم الهلاليّ، وإذا أنا بدُورٍ متباينة، وإذا خِصَاص بِيض بعضها إلى بعض، وإذا بها ناسٌ كثير مُقْبلون ومُدْبرون، وعليهم ثياب حَكَوْا بها أنواعَ الزَّهر، فقلت لِنَفْسي: هذا أحد العِيدين، الفِطْر أوِ الأضْحَى، ثم رَجع إليَ ما عَزُبَ من عقلي فقلت: خرجتُ من أهلي في عَقِب صَفر وقد مضىِ العِيدان قبل ذلك. فبينا أنا واقفٌ أتعجب إذ أتاني رجلٌ: فأخذ بيدي فأدْخلني بيتاً قد نُجِّد، وفي وَجهه فُرُش مُمَهَّدَة، وعليها شابّ ينال فَرْعُ شَعره كتفيه، والناسُ حولَه سماطين، فقلت في نفسي: هذا الأميرُ الذي يُحكى لنا جلوسُه وجلوسُ الناس حولَه، فقلتُ وأنا ماثلُ بين يديه: السلامُ عليك أيها الأمير ورحمة اللّه؛ قال: فجَذب رجلٌ بيدي، وقال: ليس بالأمير، اجلِس؛ قلتُ: فمن هو؟ قال: عَرُوس؛ قلت: واثُكْل أمّاه! لرُبَّ عَرُوس بالبادية قد رأيتُه أهون على أصحابه من هَن أمه. فلم ألبث أن أدْخلَت الرجالُ علينا هَنَات مُدوّرات من خَشب، أمّا ما خَف منها فتُحْمل حَمْلاً، وأما ما ثقُل فَيُدَحْرج، فوُضعت أمامنا وحًلّق القوم عليها حَلَقاً، ثم أتينا بِخِرَق بيض فألْقيت عليها، فهممتُ والله أن أسأل القومَ خِرْقة منها أرْقع بها قميصي، وذلك أني رأيتُ لها نَسْجاً مُتلاحماً لا تتبين له سَدى ولا لحْمة، فلما بَسَط القومُ أيديهم، إذا هو يتمزق سريعاً، وإذا صِنْف من الخُبْز لا أعرفه. ثم أتِينا بطعام كثير من حُلو وحامض، وحار وبارد، فأكثرتُ منه وأنا لا أعلم ما في عَقِبه من التُّخم والبَشم. ثم أتينا بشراب أحْمر في عِسَاس بِيض، فلما نظرتُ إليه، قلتُ: لا حاجة لي به، لأني أخاف أن يَقْتلني، وكان إلى جانبي رجلٌ ناصح لي، أحْسن الله عني جَزاءه، كان يَنْصحني بين أهل المَجلس، فقال لي: يا أعرابي، إنك قد كثرت من الطعام، فإن لضربتَ الماء هَمى بطنك. فلما ذَكر البطنَ ذكرتُ شيئاً أوصاني به الأشْياخ، قالوا: لا تزال حيًّا ما دام بَطْنُك شديداً، فإذا اختلف فأوْصِ، فلم أزل أتداوى بذلك الشرَّاب ولا أملّه حتى داخلني به صَلف لا أعرفه من نفسي، ولا عهْد لي به، ولا اقتدار على أمري؛ وكان إلى جانبي الرجلِ الناصح لي، فجعلتْ نفسي مُحدّثني بهَتْم أسنانه مرة وَهَشْم أنفه أخرى، وأهُمّ أحياناً أن أقول له: يا بن الزَّانية. فبينا نحن كذلك، إذ هَجَم علينا شياطين أرْبعة: أحدُهم قد عَلَّق جُعْبة فارسيّة مُفَتَّحة الطّرفين، قد شُبِّكت بالخُيوط، وقد ألْبست قطعة فَرْو كأنهم يخافون عليهِا القُر، ثم بَدَا الثاني فاستخرج من كفه هنة كفَيْشلة الحِمار، فوَضعٍ طَرفها في فِيه فضرًط فيها، ثم جَسَّ على حُجْزَتها فاستخرج منها صوتاً مُشاكِلاً بعضهُ بعضاً، ثم بدا الثالثُ وعليه قميصٌ وَسخ، وقد غَرَّق رأسه بالدهن، معه مرآتان، فجعل يُمر إحداهما على الأخرى، ثم بَدَا
The Unique Necklace
قولهم في الطعامنص أصلي Public domain
مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها
مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.