وكان الشيخُ مًنْخلع الأضراس بَطيء الأكل. وكان الحَدَث يَبْطِش بالقُرْص ثم يجلس يَشْتكي العِشْق، ويتضوّر الشيخُ جُوعاً، وكان الحَدَث يُسَمَى جَعْفَرا، فقال الشيخ:
لقد رابني من جعفر أنِّ جعفراً ... بَطِيشٌ بقرْصي ثم يَبْكي على جُمْل
فقلتُ له لو مًسَك الحرب لم تَبِت ... بَطِينًاَ ونَسّاكَ الهوى شِدَّةَ الأكْل
الأصمعي قال: أنشدني أعرابي لنفسه:
ألا ليت لي خُبْزاً تسَربل رائباً ... وخَيْلاً مِن البر في فُرْسانها الزُّبْدُ
فاطْلُب فيما بينهنَّ شهادةً ... بِمَوْت كَرِيم لا يُعَدُّ له لَحْد
الشِّيباني عن العُتبيّ عن أبيه قال: قال أعرابي: كنت أشْتهي ثريدة دَكْناء من الفُلفُل، رَقْطَاء من الحِمص، ذات حِفَافين من اللَّحْم، لها جَناحان من العُراق، أضْرب فيها كما يَضْرب وَلي السُّوء في مال اليتيم. وقال رجل لأعرابيّ: ما يسرّني لو بِتُ ضيفاً لك؟ فقال له الأعرابي: لو بِتّ ضيفاً لي لأصبحتَ أبطنَ من أمك لبل أن تَلدك بساعة.
حضر أعرابي سُفرة سُليمان بن عبد الملك، فجعل يمرِّ إلى ما بين يديه، فقال له الحاجب: مما يَلِيك فكُلْ يا أعرابي؛ فقال: مَن أجْدَب انتجع. فَشَقَّ ذلك على سُليمان، فقال للحاجب: إذا خرج عَنَّا فلا يَعُد إلينا. وشهد بعد هذا سُفْرته أعرابيّ آخرً، فمر إلى ما بين يديه أيضاًً، فقال له الحاجب: مما يَليك فكُلْ يا أعرابيّ؛ قال: مَن أخصَبَ تَخيَّر. فأعجب ذلك سليمانَ، فقرَّبه وأكرمه وقَضى حوائجه.
مرَّ أعرابي بقوم من الكَتَبة في مُتَنزه لهم وهم يأكلون، فسلم، ثم وَضع يده