وأمّا أَسْخَى الناس: فعبدُ الله بن سَوّار، استعمله مُعاوية على السِّنْد، فسار إليها في أَرْبعة آلافٍ من الجُند، وكانت تُوقد معه نارٌ حيثُما سار، فَيُطْعم الناس، فبينما هو ذاتَ يوم إذ أَبْصر ناراً، فقال: ما هذه؟ قالوا: أَصْلح الله الأمير، اعتلّ بعضُ أصحابنا فاشتهى خَبِيصاً فَعَمِلْنا له؛ فأمر خَبّازه أن لا يُطْعِم الناس إلا الخبيصَ، حتى صاحُوا وقالوا: أَصْلح الله الأميرَ، رُدَّنا إلى الخُبْز واللَحم، فسُمَّى: مُطْعِم الخَبِيص. وأما أطوع الناسُ في قَوْمه: فالجارُود بِشْر بنُ العَلاء، إنّه لما قُبض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وارتدّت العربُ خَطب قومَه فقال: أيها الناس، إنّ كان محمد قد مات فإن الله حَيٌّ لا يموت، فاسْتَمْسِكوا بدِينكم، فمَن ذَهب له في هذه الردة دِينار أودرهم أو بَعير أو شاة فله عليّ مِثْلاه، فما خالفَه منهم رجل. وأمّا أحْضر الناس جواباً، فَصَعْصعة بن صُوحان، دَخل على مُعاوية في وَفْد أهل العِرَاق، فقال مُعاوية: مَرحبا بكم يا أهلَ العراق، قدِمْتم أرض الله المُقدَّسة، منها المنشر وإليها المَحْشر، قَدِمْتم على خير أمير يَبر كَبيركم، ويَرحم صَغِيركم، ولو أنّ الناسَ كلَهم ولدُ أبي سُفيان لكانوا حُلَماء عُقَلاَء. فأشار الناسُ إلى صَعْصعة، فقام فَحِمد الله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أما قولُك يا مُعاوية إنّا قَدِمنا الأرضَ المُقَدسة، فَلَعَمْري ما الأرضُ تقدَّس الناسَ، ولا يُقَدِّس الناسَ إلاّ أعمالُهم، وأمّا قولُك المَنَشر وإليها المَحْشر، فَلَعمري ما يَنْفَع قُرْبُها ولا يَضُرّ بُعْدها مُؤِمِناً، وأمَّا قولك لو أنّ الناس كلَهم وَلد أبي سفيان لكانوا حُلماء عقلاء، فقد وَلَدهم خيْرٌ من أبي سُفْيان، آدمُ صَلَواتُ الله عليه، فمنهم الحليم والسَّفيه والجاهلُ والعالم. وأمَّا أحلم النَّاس، فإنّ وَفْدَ عبد القَيْس قَدِموا على النبىِّ صلى الله عليهم وسلم بصَدَقاتهم وفيهم الأشجّ، ففرّقها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، وهو أول عَطاء فرّقه في أصحابه، ثم قال: يا أشج، ادنُ منِّي، فَدَنا منه، فقال: إنَّ فيك خَلِّتين يُحبهما الله، الأناة والحِلْم، وكَفي برسول الله صلى الله عليه وسلم شاهداً. ويُقال إنّ الأشج لم يَغْضَبْ قَطّ.
جمرات العرب
وهم بنو نُمَير بن عامر بن صعصعة، وبنو الحارث بن كَعْب بن عُلة بن جَلْد وبنو ضَبّة بن أُدّ بن طابخة، وبنو عَبْس بن بَغِيض، وإنما قيل لهذه القبائل جَمَرات، لأنها تجمّعت في أَنْفُسها ولم يُدْخِلوا معهم غيرَهم. والتَّجْمير: التَجْمِيِعِ، ومنه قيل: جَمْرة العَقبة، لاجتماع الحَصىَ فيها؛ ومنه قيل: لا تُجمّروا المُسلمين فتفتِنوهم وتَفْتِنوا نساءهم، يعني لا تَجْمعوهم في المَغازي. وأبو عُبيدة قال في كِتاب التاج: أُطْفِئت جَمْرتان من جَمَرات العرب: بنو ضَبَّة، لأنها صارت إلى الرِّباب فخالَفتها، وبنو الحارث، لأنها صارت إلى مَذْحج فحالَفتها، وبَقيت بنو نُمير إلى الساعة لم تُحالف ولم يَدْخلِ بينها أحد. وقال شاعرُهم يَردّ على جَرِير:
نُميرٌ جَمرَةُ العرب التي لمٍ ... تَزَلْ في الْحَرب تَلْتَهِبُ آلْتِهابَا
وإنّي إذْ أَسُبّ بها كليباً ... فتحتُ عليهمُ للخَسْفِ بابا
فلولا أن يُقال هَجا نُميراً ... ولم نَسْمع لشاعرها جَوابا
رَغِبْنا عن هِجاء بَني كُلَيب ... وكيف يُشاتم الناسُ الكِلابا
أنساب اليمن