محمد بن الفَضل عن أبي حازم قال: مات عُقْبة بن عِيَاض بن غَنْم الفِهْريّ، فعزَّى رجلٌ أباه فقال: لا تَجْزع عليه فقد قُتِل شهيداً؛ فقال: وكيف أجزع على من كان في حَيَاته زينةَ الدُّنيا، وهو اليومَ من الباقيَات الصَّالحات.
ابن الغاز قال: حَدَّثنا عيسى بن إسماعيل قال: سمعتُ الأصمعيّ يقول: دخلتُ على جعفر بن سُليمان وقد ترك الطعامَ جَزَعاً على أخيه محمد بن سليمان فأنشدته بيتين، فما برحتُ حتى دعا بالمائدة. فقلتُ للأصمعيّ: ما هما، فسكت، فسألتهُ، فقال: أتدري ما قال الأحوص؟ قلت: لا أدْري؛ قال: قال الأحوص:
قد زادهُ كلَفاً بالحُبِّ إذ مَنَعت ... أحبُ شيء إلى الإنسان ما مُنِعاَ
قال أبو موسى: والأبيات لأراكة الثقفي يرْثى بها عمرو بن أراكَة ويُعزِّى نفسه حيث يقول:
لَعَمْري لئن أَتْبَعْتَ عينك ما مضى ... به الدَّهْرُ أو ساق الحِمَامُ إلى القَبر
لتستنفدن ماءَ الشُّئون بأَسْره ... وإنْ كُنْتَ تَمريهنَ من ثَبَج البَحْر
تَبَيّنْ فإنْ كان البُكا ردّ هالِكاً ... على أَحَدٍ فاجْهَد بُكاك على عَمْرو
فلا تَبْكِ مَيْتاً بعد مَيت أَجَنَّة ... عليُّ وعبَّاس وآل أبي بَكْر
أبو عمر بن يزيد قال: لما مات أخو مالكَ بن دِينار، بكى مالك، وقال: يا أخي، لا تَقَرُّ عيْني بعدك حتى أعْلم أفي الجنِّة أنت أم في النَّار، ولا أعلم ذلك حتى ألحق بك. وقالت أعرابية، ورأت ميتاً يُدْفَن: جافي الله عن جَنْبَيْه الثَّرَى وأعانه على طول البِلَى. وعَزَّى أعرابيَ رجلاً فقال: أوصيك بالرِّضا من الله بقَضائه، والتنجًّز لما وعد به من ثوابه، فإنَ الدُّنيا دار زوال، ولا بد من لقاء اللهّ. وَعزَّى أيضاً رجلاً فقال: إنّ من كان لك في الآخرة أجراً، خيرٌ لك ممن كان لك في الدُّنيا سرُوراً. وجَزع رجلٌ على ابن له، فشكا ذلك إلى الحسن؛ فقال له: هل كان ابنك يَغيب عنك؟ قال: نَعم، كان مَغيبُه عنِّي أكثر من حضوره؛ قال: فاترًكه غائباً فإنه فإنه لم يَغِب عنك غيبةً الأجر لك فيها أعظمُ من هذه الغَيْبة. وعزّى رجلٌ نصرانيٌّ مسلماً، فقال له: إنّ مِثْلي لا يُعزِّي مِثْلك، ولكن انظُر ما زَهِد فيه الجاهلُ فارغب فيه.
وكان عليُّ بن الحُسين رضى الله عنه في مجلسه وعنده جماعةٌ، إذ سمع ناعيةً في بَيْته، فنَهض إلى منزله فَسَكّنَهم، ثم رجَعَ إلى مجلسه، فقالوا له: أَمِنْ حَدَث كانت الناعية؟ قال: نعم. فعَزَّوه وعَجِبوا من صَبْره فقال: إنا أهل بيت نُطيع الله فيما نُحب، ونَحْمَدُه على ما نَكره.
تعزية - التمس ما وَعد الله من ثَوَابه بالتّسليم لقضائِه، والانتهاء إلى أمره، فإن ما فات غير مُسْتَدْرَك.
وعزى موسى المَهْدِيّ إبراهيمَ بن سَلْم على ابن له مات، فَجَزع عليه جزعاً شديداً، فقال له: أَيسرُّك وهو بلية وفِتْنَة، ويَحْزُنك وهو صَلَوات ورحمة؟ سُفيان الثّوْري عن سعيد بن جُبير قال: ما أعْطِيَتْ أمّة عند المُصِيبة ما أعْطِيَت هذه الأمة من قولها: " إنّا للّه وإنّا إليه رَاجِعُون " . ولو أعْطِيها أحدٌ لأعْطيها يَعْقوب حيثُ يقول: " يا أسَفَا عَلَى يوسُف، وابيضتْ عَيْنَاهُ منَ الحُزْن فَهُوَ كَظيم " . وعَزَى رجلٌ بابن له فقال له: ذَهب أبوك وهو أصلُك، وذَهب ابنك وهو فَرْعك، فما بَقَاء مَن ذهب أصلُه وفرعه؟
تعازى الملوك
العُتْبى قال: عَزّى أكثَم بن صَيْفيّ عمرو بنَ هِنْد ملكَ العرب على أخيه، فقال له: أيها الملك، إنّ أهلَ الدار سَفْرٌ لا يَحُلّون عُقَد الرحال إلا في غَيْرها، وقد أتاك ما ليس بمردود عنك، وارتحل عنك ما ليس براجع إليك، وأقام معك مَن سَيَظْعَنِ عنك ويَدَعك. واعلم أنّ الدُنيا ثلاثة أيام: فأمس عِظَة وشاهدُ عَدْل، فَجَعَك بِنفْسه، وأبْقَى لك عليه حُكْمَك؛ واليوم غَنيمة وصَدَيق، أتاك ولم تَأته، طالت عليك غَيْبَتُه، وستُسْرع عنك رِحْلته؛ وغَد لا تَدري من أهلُه، وسيأتيك إنْ وَجَدك. فما أحسَن الشُّكر للمُنْعم، والتسليمَ للقادر! وقد مَضت لنا أصولٌ نحن فُروِعها، فما بَقَاء الفُروع بعد أصُولها! واعلم أنّ أعظم من المُصيبة سوءُ الخَلف منها، وخيرٌ من الخير مُعْطيه، وشرٌ من الشرّ فاعله.