أتَصْبِرُ لِلْبلْوَى عَزَاءً وحِسْبَةً ... فَتُؤْجَرَ أَمْ تَسْلُو سًلُوَّ البهائم
أتى عليُّ أبي طالب كَرَّم الله وجهه لأشْعَث يُعَزِّيه عن ابنه، فقال: إن تَحْزَنْ فقد آستحقًتْ ذلك مِنك الرّحم، وإن تَصْبر فإن في الله خَلَفاً من كلِّ هالك، مع أنّك إن صَبَرت جرَى عليك القَدَر وأنت مَأجُور، وإن جَزِعْت جَرَى عليك القَدَر وأنت آثِم. وعزَّى ابن السمَّاك رجلاً فقال: عليك بالصَّبْر، فبه يَعْمل من احتَسَب، وإليه يَصير مَن جزع، واعلم أنه ليست مُصيبة إلا ومعها أعظمُ منها من طاعة الله فيها أو مَعْصيته بها.
الأصمعيّ قال: عزّى صالحٌ المُرِّي رجلاً بابنه، فقال له: إنْ كانت مُصيبتك لم تُحْدِث لك مَوْعظةً فمُصِيبتك بنَفْسك أعظمُ من مُصيبتك بابنك، واعلم أنّ التَّهْنِئَة على آجِل الثَّوَاب أولَى من التَّعزِية على عاجل المصيبة. العُتْبىّ قال: عزَى أبي رجلاً فقال: إنما يَسْتوجب على اللهّ وَعْده من صبر لحقه، فلا تجْمَع إلى ما فُجِعت به الفَجيعةَ بالأجر، فإنها أعظمُ المصيبتن عليك، ولكلّ اجتماعٍ فُرْقة إلى دار الحُلولِ.
عزّى عبدُ الله بن عبَّاس عمر بن الخطّاب رضى الله تعالى عنه في بُنى له صَغير، فقال: عوَّضك الله منه ما عوّضه الله منك. وكان عليُّ بن أبي طالب رضى الله عنه إذا عزَّى قوماً قال: عليكم بالصَّبر فإنّ به يأخُذ الحازم وإليه يَرْجع الجازع. وكان الحسنُ يقول في المُصيبة: الحمدُ لله الذي آجَرَنا على ما لو كلَّفنا غيرَه لعَجَزْنا عنه.
كتاب تعزية
أما بعد، فإنَ أحق مَن تعزَّى، وأوْلى مَنْ تأسى وسلّم لأمر اللّه، وقَبِلَ تأديبَه في الصَبر على نَكبَات الدنيا، وتجرع غُصَص البَلْوى، مَن تَنجَز من الله وعده، وفَهِم عن كتابه أمرَه، وأخْلص له نفسَه، واعترف له بما هو أهلُه. وفي كتاب اللّه سَلوَة من فَقْدَ كل حَبيب وإن لم تَطب النفسُ عنه، وأنْسٌ من كلِّ فقيد وإن عَظًمت اللوعةُ به، إذ يقول عزَّ وجلّ: " كلُّ شيءَ هَالِكٌ إلاّ وَجْهَه لَهُ الحُكم وَإلَيْهِ تُرْجَعُون " وحيث يقول: " الذِين إذا أصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا للّه وَإنّا إلَيْهِ رَاجِعُون أولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهمْ وَرَحْمَةٌ وأولئِكَ المُهُتَدُون " . والموتُ سبيل الماضِين والغابرين، ومورِد الخَلاَئق أجْمعين، وفي أَنبياء الله وسالفِ أوليائه أفضلُ العِبْرة، وأحْسن الأسوة، فهل أحد منهم إلا وقد أخذ من فجائع الدُّنيا بأَجْزل العطاء، ومن الصبر عليها باحتساب الأجْر فيها بأوْفر الأنصِبَاء؛ فِجع نبيّنا عليه الصلاةُ والسلام بابنه إبراهيم، وكان ذخْرَ الإيمان، وقُرَّة عَين الإسلام، وعَقِب الطٌهارة، وسَلِيل الوحي، ونَتِيج الرَّحمة، وحَضِين الملائِكة، وبِقيّة آل إبراهيم وإسماعيل صلوات اللهّ عليهم أجمعين وعلى عامة الأنبياء والمُرْسلين، فعمَت الثقلَين مُصِيبتُه، وخَصَّت الملائكةَ رَزِيتَّهً، " ورضى صلى الله عليه وسلم من فراقه بثواب الله بدلاً، ومنِ " فِقْدَانه عِوَضاً، فشكَرَ قَضَاه، واتبع رِضَاه، فقال: يَحْزَن القَلب وتَدْمَع العين، ولا نقول ما يُسْخِط الربّ، وإنّا بك يا إبراهيم لَمَحْزونون. وإذا تأمَّل ذو النّظَر ما هو مُشْفٍ عليه من غَير الدُّنيا، وانْتَصح نفسه وفِكْرَه في غِيرَها بتنقُّل الأحوال، وتقارُب الآجال، وانقطاع يسير هذه المُدَّة، ذَلَّت الدُّنيا عنده، وهانت المصائبُ عليه، وتَسهًّلت الفجائعُ لديه، فأخَذ للأَمر أُهْبته، وأعدَّ للموت عًدَّته. ومن صَحِب الدُّنيا بحُسْن رَويَّة، ولاحَظَها بعين الحقيقة، كان على بَصِيرة من وَشْكِ زوالها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: أذكُرُوا الموت فإنه هادم اللذات، ومُنَغِّص الشَّهَوَات. وليس شيء مما اقتصصتُ إلا وقد جعلك اللهّ مُقَدَّماً في العِلْم به. ولَعْمري إن الخَطْبَ فيما أصِبْتَ به لَعَظيم، غير أن تَعوّصه من الأجْر والمَثُوبة عليه بحُسْن الصَّبر يُهَوِّنان الرَّزِيِّة وإن ثَقُلَت، ويُسَهِّلاَن الخَطْب وإن عَظُم. وهب الله لك من عِصْمة الصَّبر ما يُكمل لك به زُلْفي الفائزين، ومزيد الشاكرين، وجعلك من المُرتَضين قَوْلاً وفِعلا، الذين أعطاهم " الحُسْنَى " ووفَّقهم للصَّبْر والتَّقْوَى.