وقال مسلمة بن عبد الملك: ما أخذت أمراً قط بحزم قط فظلمت نفسي فيه وإن كانت العاقبة علي، ولا أخذت أمراً قط وضيعت الحزم فيه إلا لمت نفسي عليه وإن كانت العاقبة لي.
وسئل بعض أهل التمرس بالحرب: أي المكايد فيها أحزم؟ قال: إذكاء العيون، وإفشاء الغلبة، واستطلاع الأخبار، وإظهار السرور، وإماتة الفرق، والاحتراس من البطانة، من غير إقصاء لمن يستنصح، ولا استنصاح لمن يستغش، واشتغال الناس عما هم فيه من الحرب بغيره.
وفي كتاب للهند: الحازم يحذر عدوه على كل حال، يحذر المواثبة إن قرب، والغارة إن بعد، والكمين إن انكشف، والاستطراد إن ولى.
وقال المأمون للفضل بن سهل. قد كان لأخي رأى لو عمل به لظفر. فقال له الفضل: ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: لو كتب إلى أهل خراسان وطبرستان والري ودنباوند أنه قد وهب لهم الخراج لسنة لم نخل نحن من إحدى خصلتين، إما رددنا فعله ولم نلتفت إليه، فعصانا أهل هذه البلدان وفسدت نياتهم فانقطعوا عن معاونتنا، وإما قبلناه وأمضيناه فلا نجد ما نعطى منه من معنا وتفرق جندنا ووهي أمرنا. فقال الفضل: الحمد الذي ستر هذا الرأي عنه وعن أصحابه.
وكتب الحجاج إلى المهلب يستعجله في حرب الأزارقة فكتب إليه: إن من البلية أن يكون الرأي بيد من يملكه دون أن يبصره.
وكان بعض أهل التمرس يقول لأصحابه: شاوروا في حربكم الشجعان من أولي العزم، والجبناء من أولي الحزم فإن الجبان لا يألوا برأيه ما يقي مهجكم، والشجاع لا يعدو ما يشد بصيرتكم. ثم خلصوا من بين الرأيين نتيجة تحمل عنكم معرة الجبان، وتهور الشجعان، فتكون أنفذ من السهم الزالج، والحسام الوالج.
وكان الإسكندر لا يدخل مدينة إلا هدمها وقتل أهلها، حتى مر بمدينة كان مؤدبه فيها. فخرج إليه، فألطفه الإسكندر وأعظمه. فقال له: أصلح الله الملك، إن أحق من زين لك أمرك، وأعانك على كل ما هويت لأنا. وإن أهل هذه المدينة قد طمعوا فيك لمكاني منك، فأحب أن تشفعني فيهم، وأن لا تخالفني في كل ما سألتك لهم. فأعطاه من العهود والمواثيق على ذلك ما لا يقدر على الرجوع عنه. فلما توثق منه قال: فإن حاجتي إليك أن تهدمها وتقتل أهلها. قال: ليس إلى ذلك سبيل، ولا بد من مخالفتك. فقال له: إرحل عنا.
وقيل: صالح سعيد بن العاص حصناً من حصون فارس على أن لا يقتل منهم رجلاً واحداً، فقتلهم كلهم إلا رجلاً واحداً.
ابن الكلبي قال: لما فتح عمرو بن العاص قيسارية سار حتى نزل غزة، فبعث إليه علجها: أن أبعث إلي رجلاً من أصحابك أكلمه. ففكر عمرو وقال: ما لهذا أحد غيري. قال: فخرج حتى دخل على العلج فكلمه، فسمع كلاماً لم يسمع قط مثله. فقال العلج: حدثني: هل في أصحابك أحد مثلك؟ قال: لا تسأل عن هذا، إني هين عليهم إذ بعثوا بي إليك وعرضوني لما عرضوني له، ولا يدرون ما تصنع بي؟ قال: فأمر له بجائزة وكسوة، وبعث إلى البواب: إذ مر بك فاضرب عنقه وخذ ما معه. فخرج من عنده فمر من رجل من نصارى غسان فعرفه فقال: يا عمرو، قد أحسنت الدخول فأحسن الخروج. ففطن عمرو لما أراده، فرجع. فقال له الملك: ما ردك إلينا؟ قال: نظرت فيما أعطيتني فلم أجد ذلك يسع بني عمي، فأردت أن آتيك بعشرة منهم تعطيهم هذه العطية، فيكون معروفك عند عشرة خيراً من أن يكون عند واحد. فقال: صدقت، أعجل بهم. وبعث إلى البواب أن خل سبيله. فخرج عمرو وهو يلتفت، حتى إذا أمن، قال: لا عدت لمثلها أبداً. فلما صالحه عمرو ودخل عليه العلج، قال له: أنت هو! قال: نعم، على ما كان من غدرك.