يحيى بنُ عبد العزيز قال: حدَّثني نُعيم عن إسماعيل، رجل من ولد أبي بكر الصدِّيق، عن وَهْب بن مُنَبِّه. قال: نَصب رجلٌ من بني إسرائيل فخًّا، فجاءت عُصفورة، فوقعت عليه، فقالت: مالي أَراك مُنْحنياً؟ قال: لكثرة صَلاتي انحنيتُ؛ قالت: فمالي أراك باديةً عِظامُك؟ قال: لكثرة صِيامي بَدَت عِظامي؛ قالت: فمالي أرى هذا الصوف عليك؟ قال: لِزَهادتي في الدُّنيا لَبِسْتُ الصُوف؛ قالت: فما هذه العصا عندك؟ قال أتوكّا عليها وأقضي بها حوائجي؟ قالت: فما هذه الحبة في يَدِك؟ قال: قُرْبان إنْ مرّ بي مِسْكين ناولتُه إياه، قالت: فإني مِسْكينة، قال: فخُذيها. فقَبَضت على الحبّة فإذا الفخ في عُنقها، فجعلت تقول: قَعِي قعِي. قال الحسن: تَفْسيره. لا غَرني ناسكٌ مُراءٍ بعدك أبداً.
الدعاء
قال النبي صلى الله عليه وسلم: الدُّعاء سِلاحُ المُؤمن، والدُعاء يَرُدّ القَدر، والبرُّ يزيد في العُمر. وقالوا: الدُّعاء بي الأذان والإقامة لا يُرد. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: استقبلوا البلاءَ بالدُّعاء. وقال اللهّ تعالى: " ادْعُوني أسْتَجبْ لَكُم " . وقال تعالى: " فَلَوْلا إذْ جاءَهُم بَأسُنَا تَضَرّعُوا ولكِنْ قَسَتْ قُلُوبهم له. وقال عبد الله بن عباس: إذا دعوتَ الله فاجعل في دُعاثك الصلاةَ على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الصلاة عليه مَقْبولة، واللّه أكْرم من أن يَقْبل بعضَ دُعائك ويَرُد بعضاً.
وقال سعيدُ بن المسيب: كنت جالساً بين القَبْر والمِنْبر، فسمعت قائلاً يقول: اللهم إني أسألك عملاً باراً، ورِزْقاً دارًّاً، وعَيْشاً قارًا. فالتفتًّ فلم أرَ أحداً. هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كنت نائمةً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ النًصف! من شَعبان، فلما ألْصِق جِلْدِي بجلده أغفيتُ، ثم انتبهتُ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس عندي، فأدركني ما يُدرك النِّساء من الغَيْرة، فلَفَفْت مِرْطي، أما والله ما كان خَزًّا ولا قَزًا ولا دِيباجاً ولا قُطناً ولا كَتَاناً؛ قيل: فما كان يا أمّ المؤمنين؟ قالت: كان سَدَاه ومن شَعر، ولُحْمته من أوبار الإبل. قالت: فنَحَوْتُ إليه أطلبُه، حتى ألفيته كالثًوب الساقط على وَجهه في الأرض وهو ساجدٌ يقول في سُجوده: سَجد لك خَيالي وسوادي، وآمَن بك فُؤادي، هذه يَدي، وما جَنَيْتُ بها على نفسي، " يا مَن " تُرَجَّى لكل عَظيم، فاغفر لي الذنب العَظيم. فقلتُ: بأبي أنت وأمي يا رسول اللهّ، إنّك لفي شأن، وإني لفي شأن. فرَفع رأسَه ثم عاد ساجداً فقال: أعوذ بوَجْهك الذي أضاءت له السمواتُ السَّبع، والأرضون السبع، من فجْاة نِقْمتك، وتحوّل عافيتك، ومن شرِّ كتاب قد سَبق، وأعوذ برِضاك من سُخْطك، وبعَفْوك من عُقوبتك، وبك مِنْك، لا أحْصى ثناءً عليك أنت كما أثْنيت على نفسك. فلما انصرف من صَلاته تَقَدَّمتُ أمامه حتى دخلتُ البيت ولي نَفَس عال؛ فقال: مالك يا عائشة؟ فأخبرتهُ الخَبر؟ فقال: وَيْح هاتين الرُّكبتين ما لَقِيتا في هذه اللَيلة! وَمَسح عليهما. ثم قال: أتدْرين أيّ ليلة هذه يا عائشة؟ فقلتُ: الله ورسولُه أعلم؛ فقال صلى الله عليه وسلم: هذه الليلةُ ليلةُ النِّصف من شعبان، فيها تُؤَقَّت الآجال، وتُثَبًت الأعمال.
العُتبيّ عن أبيه قال: خرجتُ مع عُمَر بن ذرّ إلى مكة فكان إذا لَبَّى لم يُلَبِّ أحدٌ من حُسن صوته، فلما جاء الحَرَم قال: يا رب، ما زِلْنا نَهْبط وَهْدةً ونَصْعد أكمة، ونَعْلو نَشَزاً، وَيَبْدُو لنا عَلَم، حتى جِئْناك بها نَقِبَةً أخفافها، دبرة ظُهورُها، ذا بلةً أسْنِمَتُهَا، وليس أعظمُ المَؤونة علينا إِتعابَ أبداننا، ولكن أعظم المؤونة علينا أن تَرْجِعَنا خائبين من رحمتك، يا خيرَ من نَزَل به النازلون.
وكان آخَرُ يدعو بعَرفات: يا رب، لم أعْصِك إذ عصيتُك جَهْلاً مني بحقك، ولا استخفافاً بعقوبتك، ولكن الثقة بعَفْوك، والاغترار بِسَتْرِك المُرْخَى علي، مع الشَقْوة الغالِبة، والقَدَر السابق، فالآن مِن عذابك مَنِ يَسْتَنقذني؟ وبِحَبْل مَن أعْتَصِم إن قطعْت حَبْلك عَني؛ فيا أسفي على الوُقوف غداَ بين يدَيْك، إذا قِيل للمُخِفَين جُوزوا، وللمُذْنِبين حُطّوا.