قال النبي صلى الله عليه وسلم: استأنسوا بالوُحدة عن جُلساء السَّوء. وقال: إنَّ الإسلام بدأ غريباً ولا تقوم الساعةُ حتى يعود غريباً كما بدأ. وقال العتَّابي: ما رأيتُ الراحةَ إلا مع الخَلْوَة، ولا الأْنسَ إلا مع الوَحشة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: خَيركم الأتْقياء الأصْفياء الذين إذا حضروا لم يُعْرَفوا، وإذا غابُوا لم يُفْتقَدُوا. وقال: لا تَدَعوا حَظَّكم من العزلة فإنَّ العُزْلة لكم عبادة.
وقال لُقْمان لابنه: استعذ باللّه من شِرار الناس وكُن من خِيَارهم على حذَر.
وقال إبراهيم بن أدْهم: فِر من الناس فِرَارَك من الأسد. وقيل لإبراهيم بن أدهم:ِ لمَ تَجْتنب الناس؟ فأنشأ يقول:
ارضَ بالله صاحبَا ... وَذَرِ الناس جانِبَا
" قَلِّب الناسَ كيفا شِئ ... ت تَجدْهم عَقارِبا "
وكان محمد بن عبد الملك الزيَّات يأنَسُ بأهل البَلادة ويسْتوْحش من أهل الذكاء، فسُئِلِ عن ذلك، فقال: مَئونة التحفُّظ شديدة. وقال ابن مُحَيْريز: إن استطعتَ أن تعْرِف ولا تُعرَف، وتَسأل ولا تُسأل، وتمشي ولا يُمْشى إليك، فافعل: وقال أيوب السخْتياني: ما أحب الله عبداً إلا أحب أن لا يُشْعَر به.
وقيل للعتَّابي: من تُجالس اليوم؟ قال: من أبصُق في وجهه ولا يَغْضَب؛ قيل له: ومَن هو؟ قال: الحائط وقيل لِدِعْبل الشاعر: ما الوَحْشة عندك؟ قال: النظر إلى الناسِ، ثم أنشأ يقول:
ما أكثر الناسَ لا بَلْ ما أَقلَّهم ... الله يَعْلَم أني لم أقُلْ فنَدَا
إنِّي لأفْتَحُ عَيْني حين أفتَحُها ... على كَثير ولكن لا أرَى أحِدا
وقال ابن أبيَ حازم:
طِبْ عن الإمْرة نفساً ... وارْضَ بالوَحْشَة أنساً
ما عليها أَحدٌ يَسْ ... وى على الخِبْرة فَلْسَا
وقال آخر:
قد بلوتُ الناسَ طُرَّاً ... لم أجِدْ في النَّاس حُرّا
صار َأَحلى الناس في الْع ... ينْ إذا ما ذِيق مُرّا
إعجاب الرجل بعلمه
قال عمرُ بنُ الخطّاب: ثلاثٌ مُهْلِكات: شُحٌ مُطاع، وهوًى مُتَّبع، وإعجاب المَرْء بِنَفْسه. وفي الحديث: خيرٌ من العُجْب بالطاعة أن لا تأتي طاعةً. وقالوا: ضاحكٌ مُعْترف بذَنْبه خيرٌ من باكٍ مُدِلّ على ربه. وقالوا: سيّئة تُسيئك خيرٌ من حَسنة تُعْجِبك. وقال الله تَبارك وتعالى: " ألم تَرَ إلى الَذين يًزكَونَ أنْفُسَهم بَل الله يُزَكِّي مَنْ يشاء " .
وقال الحسن: ذمُ الرجل لنفسه في العَلاَنية مَدْحٌ لها في السريرة. وقالوا: مَن أظهر عَيْبَ نفسه فقد زَكاها. وقيل: أوحى اللهّ إلى عبده داود: يا داود، خالِقِ الناسَ بأخلاقهم، واحتجزْ الإيمان بيني وبينك. وقال ثابت البُنَانِيّ: دخلتُ على داود، فقال لي: ما جاء بك؟ قلت: أزُورك؛ قال: ومَن أنا حتى تزُورَني؟ أمن العُبّاد أنا؟ لا والله، أم من الزهاد؟ لا واللّه. ثم أقبل على نَفسه يُوبّخها، فقال: كنتُ في الشًبيبة فاسقا، ثم شِبْتُ فَصِرْتُ مرائياً، واللّه إنّ المُرائي شرٌ من الفاسق.
لقى عابدٌ عابداً، فقال أحدُهما لصاحبه: والله إني أحبُّك في الله؛ قال: واللّه لو اطلعت على سَريرتي لأبْغَضْتَني في اللهّ. وقال مُعاوية بنُ أبي سُفيان لرجل: مَن سيِّد قومك؟ قال: أنا؛ قال: لو كنتَ كذلك لم تَقُله. وقال محمود الوراق:
تَعْصى الإله وأنت تُظْهِر حُبَّه ... هذا مُحالٌ في القياس بَدِيعُ
لو كنتَ تضمر حبه لأطعته ... إنّ المُحِبّ لمن أحَبَّ مُطِيع
" في كل يوم يَبْتليك بِنِعْمةٍ ... منه وأنت لشكر ذاك مُضِيع "
وقال أبو الأشَعث: دَخلنا على ابن سِيرين فوجدناه يُصلي، فظَن أنا أعجبنا بصلاته، " فأراد أن يَضع نفسه عندنا " ، فلما انفَتل منها التفت إلينا وقال: كانت عندنا امرأة تضع يدها على فرجها وتقول: حاجتكم تحت يدي.
الرياء