ومن أحسن ما قالوه في الصبر قول نهشل بن حري بن ضمرة النهشلي:
ويوم كأن المصطلين بحره ... وإن لم تكن نار وقوف على جمر
صبرنا له حتى يبوخ وإنما ... تفرج أيام الكريهة بالصبر
وأحسن من هذا عندي قول حبيب:
فأثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت إخمصيك الحشر
تردي ثياب الموت حمراً فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر
وأحسن من هذا القول:
يستعذبون مناياهم كأنهم ... لا يخرجون من الدنيا إذا قتلوا
وقوله في هذا المعنى:
قوم إذا لبسوا الحديد حسبتهم ... لم يحسبوا أن المنية تخلق
انظر فحيث ترى السيوف لوامعاً ... أبدا ففوق (رؤوسهم تتألق
وقال الحجاج بن حكيم:
شهدن مع النبي مسومات ... حنيناً وهي دامية الحوامي
ووقعة راهط شهدت وحلت ... سنابكهن بالبلد الحرام
تعرض للطعان إذا التقينا ... خدوداً لا تعرض للطام
أخذه من قولهم: ضربة بسيف في عز، خير من لطمة في ذل.
ومن أحسن ما وصفت به رجال الحرب قول الشاعر:
رويداً بني شيبان بعض وعيدكم ... تلاقوا غدا خيلي على سفوان
تلاقوا جياداً لا تحيد عن الوغى ... إذا ما غدت في المأزق المتداني
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأية حرب أم بأي مكان
ونظير هذا قولالآخر:
قوم إذا نزل الغريب بدارهم ... تركوه رب صواهل وقيان
وإذا دعوتهم ليوم كريهة ... سدوا شعاع الشمس بالفرسان
لا ينكتون الأرض عند سؤالهم ... لتطلب العلات بالعيدان
بل يسفرون وجوههم فترى لها ... عند السؤال كأحسن الألوان
ومن أحسن المحدثين تشبيها في الحرب، مسلم بن الوليد الأنصاري في قوله ليزيد بن مزيد:
تلقى المنية في أمثال عدتها ... كالسيل يقذف جلموداً بجلمود
بجود بالنفس إذ ظن الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود
وقوله أيضاً:
موف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل
ينال بالرفق ما تعيا الرجال به ... كالموت مستعجلاً يأتي على مهل
وقال أبو العتاهية:
كأنك عند الكر في الحرب إنما ... تفر عن السلم الذي من ورائكا
كأن المنايا ليس تجري لدى الوغى ... إذا التقت الأبطال إلا برائكا
فما آفة الآجال غيرك في الوغى ... وما آفة الأموال غير حبائكا
وقال زيد الخيل:
وقد علمت سلامة أن سيفي ... كريه كلما دعيت نزال
أحادثه بصقل كل يوم ... وأعجمه بهامات الرجال
وقال أبو محلم السعدي:
تقول وصكت وجهها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس
فقلت لها لا تعجلي وتبيني ... بلائي إذا التفت علي الفوارس
ألست أرد القرن يركب ردعه ... وفيهن سنان ذو غرارين نائس
إذا هاب أقوام تقحمت غمرة ... يهاب حمياها الألد المداعس
لعمر أبيك الخير إني لخادم ... لضيفي وإني إن ركبت لفارس
وقال آخر يمدح المهلب بالصبر:
وإذا جددت فكل شيء نافع ... وإذا حددت فكل شيء ضائر
وإذا أتاك مهلبي في الوغى ... في كفه سيف فنعم الناصر
ومن قولنا في القائد أبي العباس في الحرب:
نفسي فداؤك والأبطال واقفة ... والموت يقسم في أرواحها النقما
شاركت صرف المنايا في نفوسهم ... حتى تحكمت فيها مثل ما احتكما
لو تستطيع العلا جاءتك خاضعة ... حتى تقبل منك الكف والقدما
ومن قولنا في وصف الحرب:
سيوف يقيل الموت تحت ظباتها ... لها في الكلى طعم وبين الكلى شرب
إذا اصطفت الرايات حمراً متونها ... ذرائبها تهفو فيهفو لها القلب
ولم تنطق الأبطال إلا بفعلها ... فألسنها عجم وأفعالها عرب