لا أذودُ الطير عن شَجَر ... قد بلوتُ المُرّ من ثَمَره
إِنَّ العربَ تقول: انتاب فلان عن عقُره، أي تباعد عن أصله. لستَ من ليلي ولا سمره، مثلٌ ثانٍ. وليس في البيت الثاني إلا مثلٌ واحد. ومن قولنا في بيتٍ أوله مثلٌ وآخره مثل:
وقد صَرَح الأعداء بالبَينْ ... وأشرَقَ الصُّبْحُ لذي العَيْن
وبعده أبيات في كل بيتٍ منها مَثلَ، وذلك:
وعادَ مَنْ أهوَاه بعد القِلاَ ... شَقيقَ رُوحٍ بين جِسْمَيْن
وأصبَحَ الدَّاخل في بَيْننا ... كساقِطٍ بين فِرَاشين
قد ألبِسَ البِغْضَة ذا وذا ... لا يَصْلُحُ الغِمْدُ لسَيْفَينْ
ما بالُ من ليست له حاجةٌ ... يكون أنفْاً بذهن عَينين
ومن قولنا الذي هو أمثالٌ سائرة:
قالوا شبابك قد ولٌى فقلتُ لهمٍ ... هل من جديدٍ على كر الجديديْنِ
صِلْ من هوية وإن أبدى معاتبة ... فأطيب العيش وصلٌ بين إلفين
واقطع حبائل خل لا تلائمه ... فربِّما ضاقت الدنيا على اثنينَ
وقلت بعد هذا في المدح:
فكّرْتُ فيك أَبَحْرٌ أنت أم قَمَرٌ ... فقد تَحَيَّر فِكْرِي بين هذَيْنِ
إنْ قلتُ بحراً وجدتُ البحرَ مُنْحَسراً ... وبحرَ جودك ممتَدَّ العُبَابيَنْ
أو قلتُ بدراً رأيتُ البدرَ مُنْتَقَصاً ... فقلت شتّان ما بين البُدَيْرَيْن
ومن الأمثال التي لم تأت إلاّ في الشعر أو في قليل من الكلام: من ذلك قول الشاعر:
تَرجو النجاةَ ولم تَسْلُك مَسالكهَا ... إنَّ السفينةَ لا تَجْري عَلَى اليَبَس
" وقال آخر:
متى تَنْقَضي حاجاتُ من ليس صابراً ... على حاجةٍ حتى تكون له أخرَى
قيل ولما بلغَ حاتماً قول المُتَلَمِّس:
وأَعلمُ عِلمَ صدقٍ غير َظنٍّ ... لَتَقْوَى الله مِنْ خيْر العَتَادِ
وحِفْظ المال أَيْسرُ من بُغَاه ... وسَيْر في البلاد بغير زاد
وإصلاح القَليل يَزيدُ فيه ... ولا يَبْقَى الكثير مع الفساد
قال: قَطَعَ الله لسانَه! يحمِل الناس على البُخْل؟ ألا قال:
لا الجودُ يًفْني المالَ قبلَ فَنَائه ... ولا البًخْلُ في مال الشَحِيح يزيدُ
فلا تَلْتَمِسْ مالاً بعيْش مُقَتِّرٍ ... لكلِّ غَدٍ رزقٌ يعود جديد
وقال غيرُه:
إذا كنتُ لا أعفُو عن الذَّنب من أخٍ ... وقلتُ: أُكافيه فأينَ التَّفاضُلُ
فإنْ أقطٍع الإخوَانَ في كلِّ عُسْرَةٍ ... بَقيتُ وحيداً ليس لي مَن أوَاصل
ولكنني أغْضي الجُفون على القَذَى ... وأصفَحُ عما رابني وأجَامِل
متى ما يَر ِبْني مِفْصَل فقَطَعْتُه ... بَقيتُ ومالي للنُهُوض مفاصِل
ولكنْ أداويه فإن صَحَّ سرني ... وإنْ هو أعياَ كان فيه التًّحاملُ
وقال:
يُديفُون لي سًمّاً وأسْقِيهمُ الحَيَا ... ويَقْرُونَني شَرّاً وشَري مُؤَخَّرُ
كأنِّي سَلبْتُ القومَ نُورَ عُيونهم ... فلا العُذرُ مقبول ولا الذَّنب يُغْفَر
وقد كان إحساني لهم غيرَ مَرّة ... ولكنّ إحسان البَغِيض مُكَفَّر
ولغيره:
لم يبق من طلب الغنى ... إلا التعرض للحتوف
فلاقبلن وإن رأي ... ت الموت يلمع في الصفوف
إني امرؤٌ لم أوت من ... أدب ولا حظٍ سخيف
لكنه قدرٌ يزو ... ل من القوي إلى الضعيف
كتاب الزمردة في المواعظ والزهد