إذا لم يكن في الدار أحد - منه قولهم: ما بالدار شَفْر، ولا بها دُعْوِيٌّ، ولا بها دًبّي. معناه: ما بها من يدعو من يَدِب. وما بها من عَريب، ولا بها دُورِيّ ولا طُوِريّ، وما بها وابِر، وما بها صافِر، وما بها ديار، وما بها نافخ ضَرَمة، وما بها أرم. معنى هذا كله: ما بها أَحد. ولا يقال منها شيء في الإثبات والإيجاب، وإنما يَقولونها في النَّفي والجَحْد.
اللقاء وأوقاته - منه: لَقِيت فلاناً أولَ عَين، يعني أولَ شيء. وقال أبو زيد: لقيتُه أولَ عائنة، ولقيتُه أوّلَ وَهْلة، ولقيته أولَ ذات يَدَيْنِ، ولقيته أولَ صَوْك وأولَ بَوْك. فإن لقيته فجأة من غير أن تُريده قلتَ: لَقِيته نِقَاباَ، ولَقِيتُه التقاطاً، إذا لَقِيتَه من غير طَلَب. وقال الراجز: ومَنْهل وردته التقاطاً وإن لقيته مُواجهة قلت: لَقيتُه صِفاحاً، ولقيتُه كِفاحاً، ولقيتُه كَفَةَ كَفةَ.
قال أبو زَيد: فإنْ عَرض لك من غير أن تذكُرَهُ قلت: رُفعِ لي رفعاً، وأشِبّ لي إشباباً. فإن لقيتَه وليس بينك وبينه أحدٌ قلتَ: لقيتُه صَحْرة بَحْرَة، وهي غيرُ مُجْراة. فإن لقيتَه في مكان قَفْر لا أنيسَ به قلتَ: لقيته بوحش إصْمتَ، غير مُجْرى أيضاً، ولقيته بين سَمع الأرْض وبصرَها. فإنْ لقيتَه قبل الفجر قلتَ: لقيتُه قبل " كل " صيْحٍ وَنَفْر. النفر: التفرق. وإن لقيتَه بالهاجرة قلت: لقيته صَكًةَ عُمَىّ " وصَكَة أعْمى " . قال: رؤبة يصف الفلاة إذ لمعت بالسراب في الهاجرة:
شبيه يَمٍّ بين عِبْرَيْن معاً ... صًكة أعمى زاخرٍ قد أتْرِعَا
فإن لقيتَه في اليومين والثلاثة قلت: لقيتُه في الفَرَط، ولا يكون الفَرَط في أكثر من خمس عشرة ليلة. فإن لقيتَه بعد شهر ونحوه، قلت: لقيته من عُفْر. فإن لقيتَه بعد الحول ونحوه قلت: لقيته عن هَجْر. فإن لقيتَه بعد أعوام قلت: لقيته ذات العُريم. فإن لقيته في الزمان قلت: لقيته ذات الزُمين. والغِبّ في الزيارة: هو الإبطاء فيها. والاعتمار في الزيارة: هو التردد فيها.
في ترك الزيارة - منه قولُهم: لا آتيك ما حنَّت النِّيبُ، وما أطَّت الإبل، وما اختلفت الدّرَة والجِرّة، وما اختلف المَلَوَان، وما اختلف الجديدان. ولا آتيك الشمس والقمرَ، وأبدَ الأبد؛ ويقال: أبد الآبدين، ودهْر الداهرين، وحتى يرجع السهمُ إلى فُوقه، وحتى يَرْجع اللبنُ في الضّرع. ولا آتيك سِنّ الحِسْل. تفسيره: النَيب. جمع ناب، وهي المُسنّة من الإبل. والدَرة: الحَلْبة من اللبن. والجرّة: من اجترار البعير. والملوان والجديدان: الليل والنهار. والحِسْل: هو ولد الضبّ. يقول: حتى تَسْقط أسنانه، ولا تسقط أبداً حتى يموت.
استجهال الرجل ونفي العلمِ " عنه " - منه قولهم: ما يعرف الحوَّ من اللوِّ. وما يعرف الحيّ من الليّ، ولا هَرِيراً من غرير، ولا قَبيلاَ من دَبير. وما يعرف أيَّ طَرَفَيْه أطرل وأكبر. وما " يعرف هِرّاً من بِرّ. أي ما " يعرف من يَهِرُّه ممن يَبَرّه. والقَبيل: ما أقبلتَ به من فَتل الحَبْل. والدَّبير: ما أدبرت " به " منه. وأيّ طرفيه أطول: أنسَبُ أبيه أم نسب أمّه.
أمثال مستعملة في الشعر - قال الأصمعي: لم أجد في شعر شاعر بيتاً أوّله مَثلٌ وآخرُه مَثل إلا ثلاثة أبيات، منها بَيْتٌ للحطيئة:
مَن يفعل الخيرَ لا يَعْدَم جَوَازِيَه ... لا يذهبُ العُرْف بين الله والناس
وبيتان لأمرئ القيس:
وأفلتهنَّ عَلبَاءٌ جَريضاً ... ولو أدْرَكْنَهُ صَفِرَ الوِطَابُ
وقاهم جَدُّهم ببني أبيهم ... وبالأَشْقَين ما كان العِقَابُ
ومثلُ هذا كثير في القديم والحديث، ولا أدري كيف أغفل القديمَ منه الأصمعيُّ. فمنه قولُ طرفة:
ستُبْدي لك الأيامُ ما كنتَ جاهلاً ... وَيأتيكَ بالأخبار من لم تُزَوِّدِ
وفي هذا مثلان من أشرف الأمثال. ويقال إنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم سَمع هذا البيت فقال: إنَّ معناه من كلام النبوَة ومن ذلك قولُ الآخر:
ما كلفَ الله نفساً فوق طاقتها ... ولا تجود يدٌ إلا بما تَجِدُ
" ففي الصَّدْر مَثَل وفي العجز مَثَل " . ومن ذلك قولُ الحَسن بن هانئ:
أيها المُنتاب عن عُقُره ... لستَ من لَيْلي ولا سَمَرِه