كتب المَرِيسيّ إلى أبي يحيى مَنصور بن محمد: اكتب إليَّ: القرآنُ خالق أو مَخْلوق؟ فكتب إليه: عافانا الله وإياك من كلِّ فِتْنة، وجَعَلنا وإِيَّاك من أهل السُّنة، وممن لا يَرْغب بنفْسه عن الجماعة، فإنه إن تَفْعل فأعْظِم بها مِنَّة، وإن لا تَفْعل فهي الهَلَكة، ونحن نقول: إنّ الكلامَ في القرآن بِدعة، يتكلّف المُجيبُ ما ليس عليه، ويتعاطى السائل ما ليس له، وما نعلم خالقاً إلا اللّه، وما سِوى الله فمخلوق، والقرآنُ كلام اللّه، فانْتَه بنفسك إلى أسمائه التي سماه الله بها فتكونَ من الضالين، جَعلنا الله وإياك من الذين يَخْشَوْن رَبَّهم بالغيب، وهم من الساعة مُشْفِقون.
كتاب الجوهرة في الأمثال
" قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه " : قدْ مَضى قولُنا في العِلْم والأدب وما يتولّد منهما، ويُنْسب إليهما من الحِكَم النادرة، والفِطَن البارعة، ونحن قائلون بعَوْن الله وتوفيقه في الأمثال التي هي وَشيُ الكلام، وجوهر اللفظ، وحَلْى المعاني، والتي تخيَّرتْها العربُ، وقَدَّمتها العجم، ونُطِق بها " في " كل زمان، وعلى كلِّ لسان، فهي أبقى من الشعر، وأشرف من الخطابة، لم يَسِرْ شيءٌ مَسِيرَها، ولا عَمَّ عُمومَها، حتى قيل: أسير من مثل. " وقال الشاعر " :
ما أنتَ إلا مَثَلٌ سائرُ ... يَعْرفه الجاهلُ والخابرُ
وقد ضرب الله عزَّ وجلَّ الأمثالَ في كتابه، وضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلامه، قال اللهّ عز وجل: " يَا أَيُّهَا الناسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَه " . وقال: " وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَجُلَينْ " . ومِثْلُ هذا كثير في آي القرآن. فأوّلُ ما نبدأ به أمثالُ رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم، ثم أمثالُ العلماء. ثم أمثالُ أكْثَم بن صَيْفِيّ وبُزُرْجِمهر الفارسيّ، وهي التي كان يَسْتَعملها عفرُ بن يحيى في كلامه، ثم أمثالًُالعرب التي رواها أبو عُبيد وما أشبهها من أمثال العامة، ثم الأمثالُ التي استعملها الشعراءُ في أشعارهم في الجاهلية والإسلام.
أمثال رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ضرب الله مثلاً صِراطاً مُستقيماً وعلى جَنْبي الصراط أبوابٌ مُفَتَحة، وعلى الأبواب سُتور مَرْخِيَّة، وعلى رأس الصراط داعٍ يقول: ادخُلوا الصراطَ ولا تَعْوَجُّوا. فالصراطُ الإسلامِ، والستورُ حدودُ اللّه، والأبواب محارمُ اللّه، والداعي القرِان. وقال " النبي " صلى الله عليه وسلم: مَثلُ المُؤْمن كالخامة من الزرع، يُقَلِّبها الريِحُ مرَّة كذا ومرَة كذا؟ ومَثلُ الكافر مثل الأرزَة المُجْذِيَة على الأرض " حتى " يكون انجعافُها بِمَرّة. وسأله حُذَيفة: أبعدَ هذا الخير شرّ يا رسول اللّه؟ فقال: جماعة " على " أقْذَاء وهُدْنَة على دَخَن. وقولُه حين ذَكر الدنيا وزينتَها فقال: إنَّ مما يُنْبت الرّبيعُ ما يَقْتُل حَبَطاً أو يُلِمّ. وقال لأبي سُفْيان: أنت أبا سفيان كما قالوا: كلُّ الصيد في جَوْف الفَرَا: وقال حين ذكر الغُلوّ في العِبَادة: إنّ المنبَتّ لا أرضاً قَطع ولا ظَهْراً أبْقى. وقال صلى الله عليه وسلم: إياكم وخَضرَاءَ الدِّمن. قالوا: وما خَضراء الدِّمن؟ قال: المرأةُ الحَسْناء في المَنْبت السّوء. وذكر الرِّبا في آخر الزمان، وافْتِنَانَ الناس به، فقال: مَن لم يَأكلْه أصابه غُبارُه. وقال: الإيمانُ قَيَّدَ الفَتْك. وقال صلى الله عليه وسلم: الولدُ لِلْفراش وللعاهر الحَجَر. وقال في فرس: وجدتُه بَحْراً. وقال: إنّ من البيان لَسِحراً. وقال: لا ترْفع عصاك عن أهلك. وقال صلى الله عليه وسلم: لا يُلْدغ المؤمن من جُحر مرَّتين. وقال: الحَرْب خدَعة. وله صلى الله عليه وسلم وعلى آله أمثالٌ كثيرة غيرُ هذه، ولكنَّا لم نذهب في كل باب إلى استقصائه، وإنما ذهبنا إلى أن نِكْتَفيَ بالبعض ونَسْتدلّ بالقليل على الكثير، ليكونَ أسهلَ مَأخذاً للحفظ، وأبرأ من المَلالة والهرب.