فإن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام
فقلت من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام
وفي حكمة سليمان بن داود عليهما السلام: الشر حلو أوله: مر آخره.
والعرب تقول: الحرب غشوم، لأنها تنال غير الجاني وقال حبيب:
والحرب تركب رأسها في مشهد ... عدل السفيه به بألف حليم
في ساعة لو أن لقماناً بها ... وهو الحكيم لكان غير حكيم
وقال أكثم بن صيفي حكيم العرب: لا حلم لمن لا سفيه له.
ونحو هذا قول الأحنف بن قيس: ما قل سفهاء قوم قط إلا ذلوا.
وقال: لأن يطيعني سفهاء قومي، أحب إلي من أن يطيعني حلماؤهم.
وقال: أكرموا سفهاءكم، فإنهم يكفونكم النار والعار.
وقال النابغة الجعدي:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
وأنشد هذا الشعر للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما انتهى إلى هذا البيت، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا يفضض الله فاك. فعاش ثلاثين ومائة سنة لم تسقط له ثنية.
وقال النابغة الذبياني يصف الحرب:
تبدو كواكبه والشمس طالعة ... لا النور نور ولا الإظلام إظلام
يريد بقوله: " تبدو كواكبه والشمس طالعة " شدة الهول والكرب، كما تقول العامة: أريته النجوم وسط النهار.
قال الفرزدق: " أريك نجوم الليل والشمس حية " وقال طرفة بن العبد: " وتريك النجم يجري بالظهر " وإليه ذهب جرير في قوله:
والشمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
يقول: الشمس طالعة وليست بكاسفة نجوم الليل، لشدة الغم والكرب الذي فيه الناس.
ومن قولنا في صفة الحرب:
ومغبر السماء إذا تجلى ... يغادر أرضه كالأرجوان
سموت له سمو النقع فيه ... بكل مذلق سلب السنان
وكل مشطب المتنين صاف ... كلون الملح منصلت يماني
كأن نهاره ظلماء ليل ... كواكبه من السمر اللذان
وفي صفة المعترك:
ومعترك تهز به المنايا ... ذكور الهند في أيدي ذكور
لوامع يبصر الأعمى سناها ... ويعمي دونها طرف البصير
وخافقة الذرائب قد أنافت ... على حمراء ذات شباً طرير
تحوم حولها عقبان موت ... تخطفت القلوب من الصدور
بيوم راح في سربال ليل ... فما عرف الأصيل من البكور
وعين الشمس ترنو في قتام ... رنو البكر من بين الستور
فكم قصرت من عمر طويل ... به وأطلت من عمر قصير
العمل في الحرب
قيل لأكثم بن صيفي: صف لنا العمل في الحرب. قال: أقلوا الخلاف على أمرائكم، فلا جماعة لمن اختلف عليه. واعلموا أن كثرة الصياح من الفشل، فتثبتوا، فإن أحزم الفريقين الركين، ورب عجلة تعقب ريثاً. وادرعوا الليل، فإنه أخفى للويل، وتحفظوا من البيات.
وقال شبيب الحروري: الليل يكفيك الجبان ونصف الشجاع.
وكان إذا أمسى يقول لأصحابه: أتاكم المدد يعني الليل.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها يوم الجمل، وسمعت منازعة أصحابها وكثرة صياحهم: المنازعة في الحرب خور، والصياح فيها فشل، وما برأيي خرجت مع هؤلاء.
وقال عتبة بن ربيعة لأصحابه يوم بدر لما رأى عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترونهم خرساً لا يتكلمون، يتلمظون تلمظ الحيات.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من أكثر النظر في العواقب، لم يشجع.
وقال النعمان بن مقرن لأصحابه عند لقاء العدو: إني هاز لكم الراية، فليصلح كل رجل منكم من شأنه، وليشد على نفسه وفرسه؛ ثم إني هازها لكم الثانية، فلينظر كل رجل منكم موقع سهمه، وموضع عدوه، ومكان فرصته ثم إني هازها لكم الثالثة وحامل، فاحملوا على اسم الله.
وللنعمان بن مقرن هذا يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه - إذ تكاملت عنده الحشود وتطلع الصحابة إلى التقدم عليها - : لأقلدن أعنتها رجلاً يكون عداء لأول أسنة يلقاها. فقلدها النعمان بن مقرن.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: انتهزوا الفرصة، فإنها تمر مر السحاب، ولا تطلبوا أثراً بعد عين.