FluentPlex

The Unique Necklace

حفظ الأسرار

Original text Public domain

Read with the dictionary

ومن أحسن ما قيل فيمن أشير عليه فلم يقبل قول سبيع لأهل اليمامة بعد إيقاع خالد بهم: يا بني حنيفة بعدا لكم كما بعدت عاد وثمود. أما والله لقد أنبأتكم بالأمر قبل وقوعه، كأني أسمع جرسه وأبصر غيبه، ولكنكم أبيتم النصيحة فاجتنيتم الندامة، وإني لما رأيتكم تتهمون النصيح وتسفهون الحليم، استشعرت منكم اليأس وخفت عليكم البلاء. والله ما منعكم الله التوبة، ولا أخذكم على غرة، ولقد أمهلكم حتى مل الواعظ، ووهن الموعوظ. وكنتم كأنما يعنى بما أتم فيه غيركم، فأصبحتم وفي أيديكم من تكذيبي التصديق. ومن نصيحتي الندامة، وأصبح في يدي من هلاككم البكاء، ومن ذلكم الجزع، وأصبح ما فات غير مردود، وما بقي غير مأمون.

وقال القطامي في هذا المعنى:

ومعصية الشفيق عليك مما ... تزيدك مرة منه استماعا

وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه اتباعا

كذاك وما رأيت الناس إلا ... إلى ما جر غاويهم سراعا

تراهم يغمزون من استركوا ... ويجتمبون من صدق المصاعا

وكان يقال: لا تستشر معلماً ولا حائكاً ولا راعي غنم ولا كثير القعود مع النساء.

وأنشد في المعلمين:

وكيف يرجى العقل والرأي عند من ... يروح إلى أنثى ويغدو إلى طفل

وكان يقال: لا تشاور صاحب حاجة يريد قضاءها.

وكان يقال: لا رأي لحاقن، ولا حازق، وهو الذي ضغطه الخف ولا لحاقب وهو الذي يحد رزا في بطنه.

وينشد في الرأي بعد فوته:

وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا

ومن قولنا في هذا المعنى:

فلئن سمعت نصيحتي وعصيتها ... ما كنت أول ناصح معصي

وقال حبيب في بني تغلب عند إيقاع مالك بن طوق بهم:

لم يألكم مالك صفحاً ومغفرةً ... ولو ينفخ قين الحي في فحم

حفظ الأسرار

قالت الحكماء: صدرك أوسع لسرك من صدر غيرك.

وقالوا: سرك من دمك فانظر أين تريقه. يعنون أنه ربما كان في إفشائه سفك دمك.

وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف:

ولا تفش سرك إلا إليك ... فإن لكل نصيح نصيحا

فإني رأيت غواة الرجا ... ل لا يتركون أديماً صحيحا

وقالت الحكماء: ما كنت كاتمه من عدوك فلا تطلع عليه صديقك.

وقال عمرو بن العاص: ما استودعت رجلاً سراً فأفشاه فلمته، لأني كنت أضيق صدراً منه حين استودعته إياه حتى أفشاه.

وقال الشاعر:

إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق

قيل لأعرابي: كيف كتمانك للسر؟ أجحد المخبر وأحلف للمستخبر.

وقيل لآخر: كيف كتمانك للسر؟ قال: ما قلبي له إلا قبر.

وقال المأمون: الملوك تحتمل كل شيء إلا ثلاثة أشياء: القدح في الملوك، وإفشاء السر، والتعرض للحرم.

وقال الوليد بن عتبة لأبيه: إن أمير المؤمنين أسر إلي حديثاً ولا أراه يطوي عنك، أفلا أحدثك به؟ قال: لا يا بني، إنه من كتم سره كان الخيار له، ومن أفشاه كان الخيار عليه، فلا تكن مملوكاً بعد أن كنت مالكاً.

وفي كتاب التاج. أن بعض ملوك العجم استشار وزيريه فقال أحدهما: لا ينبغي للملك أن يستشير منا أحد إلا خالياً به، فإنه أموت للسر، وأحزم للرأي، وأجدر بالسلامة، وأعفى لبعضنا من غائلة بعض. فإن إفشاء السر إلى رجل واحد أوثق من إفشائه إلى اثنين، وإفشائه إلى ثلاثة كإفشائه إلى جماعة؛ لأن الواحد رهن بما أفشي، والثاني مطلق عنه بذلك الرهن، والثالث علاوة فيه فإذا كان السر عند واجد كان أحرى أن لا يظهره رغبة ورهبة وإن كان اثنين دخلت على الملك الشبهة. واتسعت على الرجلين المعاريض، فإن عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحد، وإن اتهمهما اتهم بريئاً بجناية مجرم، وإن عفا عنهما كان العفو عن أحدهما ولا ذنب له، وعن الآخر ولا حجة معه.

ومن أحسن ما قالت الشعراء في السر قول عمر بن أبي ربيعة:

فقالت وأرخت جانب الستر إنما ... معي فتحدث غير ذي رقبة أهلي

فقلت لها ما بي لهم من ترقب ... ولكن سرى ليس يحمله مثلي

وقال أبو محجن الثقفي:

لا تسألي الناس عن مالي وكثرته ... وسائلي الناس عن بأسي وعن خلقي

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account