قعد معاوية بالكوفة يبايع الناس على البراءة من علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، نطيع أحياءكم ولا نتبرأ من موتاكم فالتفت إلى المغيرة فقال له: هذا رجل فاستوص به خيراً.
وقال عبد الملك بن مروان للحارث بن عبد الله بي أبي ربيعة: ما كان يقول الكذاب في كذا وكذا؟ - يعني ابن الزبير - فقال: ما كان كذاباً. فقال له يحيى بن الحكم: من أمك يا حار؟ قال: هي التي تعلم. قال له عبد الملك: اسكت فهي أنجب من أمك.
دخل الزهري على الوليد بن عبد الملك، فقال له: ما حديث يحدثنا به أهل الشام؟ قال: يحدثوننا أن الله إذا استرعى عبداً رعيته كتب له الحسنات ولم يكتب له السيئات. قال: باطل يا أمير المؤمنين، أنبي خليفة أكرم على الله أم خليعة غير نبي؟ قل: بل نبي خليفة. قال: فإن الله تعالى يقول لنبيه داور عليه السلام: " يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله. إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب " . فهذا وعيد يا أمير المؤمنين لنبي خليفة، فما ظنك بخليفة غير نبي؟ قال: إن الناس ليغووننا عن ديننا.
الأصمعي عن إسحاق بن يحيى عن عطاء بن يسار، قال: قلت للوليد بن عبد الملك: قال عمر بن الخطاب: وددت أني خرجت من هذا الأمر كفافاً لا علي ولا لي. فقال: كذبت. فقلت: أو كذبت؟ فما أفلت بجريعة الذقن.
المشورة
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما ندم من استشار، ولا خاب من استخار. وقدر أمر الله تبارك وتعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بمشاورة من هو دونه في الرأي والحزم، فقال: " وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله " .
ولما هممت ثقيف بالارتداد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم استشاروا عثمان بن أبي العاص، وكان مطاعاً فيهم، فقال لهم: لا تكونوا آخر العرب إسلاماً، وأولهم ارتداداً. فنفعهم الله برأيه.
وسئل بعض الحكماء: أي الأمور أشد تأييداً للفتى وأيتها أشد إضراراً به؟ فقال: أشدها تأييداً له ثلاثة: مشاورة العلماء، وتجربة الأمور، وحسن التثبت. وأشدها إضراراً به ثلاثة أشياء: الاستبداد والتهاون والعجلة.
وأشار حكيم على حكيم برأي فقبله منه. فقال له: لقد قلت بما يقول به الناصح الشفيق الذي يخلط حلو كلامه بمره، وسهله بوعره، ويحرك الإشفاق منه ما هو ساكن من غيره. وقد وعيت النصح وقبلته، إذ كان مصدره من عند من لا يشك في مودته وصفاء غيبه، ونصح جيبه؛ وما زلت بحمد الله إلى الخير طريقاً واضحاً، ومناراً بيناً.
وكان عبد الله بن وهب الراسي يقول: إياكم والرأي الفطير. وكان يستعيذ بالله من الرأي الدبري.
وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: رأي الشيخ خير من مشهد الغلام.
وأوصى ابن هبيرة ولده فقال: لا تكن أول مشير، وإياك والهوى والرأي الفطير؛ ولا تشيرن على مستبد ولا على وغد ولا على متلون ولا لجوج وخف الله في موافقة هوى المستشير. فإن النماس موافقته لؤم، وسوء الاستماع منه خيانة.
وكان عامر بن الظرب حاكم العرب يقول: دعوا الرأي يغب حتى يختمر، وإياكم والرأي الفطير. يريد الأناة في الرأي والتثبت فيه. ومن أمثالهم في هذا قولهم: لا رأي لمن لا يطاع.
وكان المهلب يقول: إن من البلية أن يكون الرأي بيد من يملكه دون من يبصره.
العتبي: قال: قيل لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم! قال نحن ألف رجل وفينا حازم واحد، فنحن نشاوره، فكأنا ألف حازم.
قال الشاعر:
الرأي كالليل مسود جوانبه ... والليل لا ينجلي إلا بإصباح
فاضمم مصابيح آراء الرجال إلى ... مصباح رأيك تزدد ضوء مصباح
العتبي قال: أخبرني من رأى عبد الله بن عبد الأعلى، وهو أول داخل على الخليفة وآخر خارج من عنده. قال: ثم رأيته وإنه ليتقى كما يتقى البعير الأجرب فقال لي: يا أخا العراق، اتهمنا القوم في سريرتنا، ولم يقبلوا منا علانيتنا، ومن ورائهم وورائنا حكم عدل.