فمن لي بالعين التي كنت مرة ... إلي بها في سالف الدهر تنظر
قال المأمون: لك بها رجوعك إلى المناصحة، وإقبالك على الطاعة، ثم عاد له إلى ما كان عليه.
وقال له المأمون يوماً: أنت الذي تقول:
إني امرؤ كسروي الفعال ... أصيف الجبال وأشتوا العرافا
ما أراك قدمت لحق طاعة، ولا قضيت واجب حرمة؛ قال له: يا أمير المؤمنين، إنما هي نعمتك، ونحن فيها خدمك، وما هراقة دمي في طاعتك، إلا بعض ما يجب لك.
ودخل أبو دلف على المأمون، فقال: أنت الذي يقول فيك ابن جبلة:
إنما الدنيا أبو دلف ... بين باديه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
فقال: يا أمير المؤمنين، شهادة زور، وكذب شاعر، وملق مستجد، وليكن الذي يقول فيه ابن أخيه:
ذريني أجوب الأرض في طلب الغنى ... فما الكرج بالدنيا ولا الناس قاسم
الكرج: منزل أبي دلف، وكان اسمه القاسم بن عيسى.
وقال المنصور وجعل لمعن بن زائدة: ما أظن ما قيل عنك من ظلمك أهل اليمن واعتسافك عليهم إلا حقاً؟ قال: كيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: بلغني عنك أنك أعطيت شاعراً لبيت قاله ألف دينار، وأنشده البيت وهو:
معن بن زائدة الذي زيدت به ... فخراً إلى فخر بنو شيبان
قال: نعم يا أمير المؤمنين، قد أعطيته ألف دينار، ليس على هذا البيت، ولكن على قوله:
ما زلت يوم الهاشمية معلماً ... بالسيف دون خليفة الرحمن
فمنعت حوزته وكنت وقاءه ... من وقع كل مهند وسنان
قال: فاستحيا المنصور وجعل ينكت بالمخصرة، ثم رفع رأسه وقال: اجلس أبا الوليد.
أتي عبد الملك بن مروان بأعرابي سرق، فأمر بقطع يده فأنشأ يقول:
يدي يا أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك أن تلقى مكاناً يشينها
ولا خير في الدنيا وكانت حبيبة ... إذا ما شمالي فارقتها يمينها
فأبى إلا قطعه؛ فقالت أمه: يا أمير المؤمنين، واحدي وكاسبي؛ قال: بئس الكاسب كان لك، وهذا حد من حدود الله؛ قالت: يا أمير المؤمنين، اجعله من بعض ذنوبك التي تستغفر الله منها، فعفا عنه.
تذكير الملوك بذمام متقدم
قال ثمامة بن أشرس للمأمون لما صارت إليه الخلافة: إنه كان لي أملان: أمل لك وأمل بك، فأما أملي لك فقد بلغته، وأما أملي بك فلا أدري ما يكون منك فيه؛ قال: يكون أفضل ما رجوت وأملت، فجعله من سماره وخاصته.
الأصمعي قال: لما مات يزيد بن عبد الملك وصارت الخلافة إلى هشام بن عبد الملك، خر أصحابه سجوداً إلا الأبرش الكلبي؛ فقال له: يا أبرش، ما منعك أن تسجد كما سجدوا؟ قال: يا أمير المؤمنين، لأنك ذهبت عنا وتركتنا؛ قال: فإن ذهبت بك معي؟ قال: أو تفعل يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم؛ قال: فالآن طاب السجود، ثم سجد.
ولما صارت الخلافة إلى أبي جعفر كتب إليه رجل من إخوانه:
إنا بطانتك الألى ... كنا نكابد ما نكابد
ونرى فنعرف بالعدا ... وة والبعاد لمن نباعد
ونبيت من شفق علي ... ك ربيئة والليل هاجد
هذا أوان وفاء ما ... سبقت به منك المواعد
فوقع أبو جعفر على كل بيت منها: صدقت صدقت، ثم دعاء به وألحقه بخاصته.
وقال حبيب الشاعر في هذا المعنى:
وإن أولى الموالي أن تواسيه ... عند السرور لمن واساك في الحزن
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في الموطن الخشن
حسن التخلص من السلطان