وقال سعيد بن سلم بن قتيبة للمأمون: لو لم أشكر الله إلا على حسن ما أبلاني في أمير المؤمنين من قصده إلي بحديثه، وإشارته إلي بطرفه، لكان ذلك من أعظم ما توجبه النعمة، وتفرضه الصنيعة؛ قال المأمون: ذلك والله لأن الأمير يجد عندك من حسن الإفهام إذا حدثت، وحسن الفهم إذا حدثت، ما لا يجده عند غيرك.
مدح الملوك والتزلف إليهم
في سير العجم أن أردشير بن يزدجرد لما استوثق له أمره، جمع الناس، فخطبهم خطبة حضهم فيها على الألفة والطاعة، وحذرهم المعصية ومفارقة الجماعة، وصنف لهم الناس أربعة أصناف، فخروا له سجداً. وتكلم متكلمهم، فقال: لا زلت أيها الملك محبواً من الله بعز النصر، ودرك الأمل، ودوام العافية، وتمام النعمة، وحسن المزيد؛ ولا زلت تتابع لديك المكرمات، وتشفع إليك الذمامات حتى تبلغ الغاية التي يؤمن زوالها، ولا تنقطع زهرتها، في دار القرار التي أعدها الله لنظرائك من أهل الزلفى عنده، والحظوة لديه؛ ولا زال ملكك وسلطانك باقيين بقاء الشمس والقمر، زائدين زيادة البحور والأنهار، حتى تستوي أقطار الأرض كلها في علوك عليها، ونفاذ أمرك فيها، فقد أشرق علينا من ضياء نورك ما عمنا عموم ضياء الصبح، ووصل إلينا من عظيم رأفتك ما اتصل بأنفسنا اتصال النسيم، فأصبحت قد جمع الله بك الأيادي بعد افتراقها، وألف بين القلوب بعد تباغضها، وأذهب عنا الإحن والحسائف بعد توقد نيرانها، بفضلك الذي لا يدرك بوصف، ولا يحد بنعت. فقال أردشير: طوبى للممدوح مستحقاً؛ وللداعي إذا كان للإجابة أهلاً.
ودخل حسان بن ثابت على الحارث الجفني فقال: أنعم صباحاً أيها الملك، السماء غطاؤك، والأرض وطاؤك، ووالدي فداؤك، أنى يناوئك المنذر، فوالله لقذالك أحسن من وجهه، ولأمك أحسن من أبيه، ولظلك خير من شخصه، ولصمتك أبلغ من كلامه، ولشمالك خير من يمينه. ثم أنشأ يقول:
ونبئت أن أبا منذر ... يساميك للحدث الأكبر
قذالك أحسن من وجهه ... وأمك خير من المنذر
ويسرى يديك إذا أعسرت ... كيمنى يديه فلا تمتر
ودخل خالد بن عبد الله القسري على عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة، فقال: يا أمير المؤمنين، من تكون الخلافة قد زانته فأنت قد زنتها، ومن تكون شرفته فأنت قد شرفتها، وأنت كما قال الشاعر:
وإذا الدر زان حسن وجوه ... كان للدر حسن وجهك زينا.
فقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: أعطي صاحبكم مقولاً ولم يعط معقولاً.
ذكر بن أبي طاهر قال: دخل المأمون بغداد فتلقاه وجوه أهلها، فقال له رجل منهم: يا أمير المؤمنين بارك الله لك في مقدمك، وزادك في نعمتك، وشكرك على رعيتك، تقدمت من قبلك، وأتعبت من بعدك، وآيست أن يعاين مثلك؛ أما فيما مضى فلا نعرفه، وأما فيما بقي فلا نرجوه، فنحن جميعاً ندعو لك ونثني عليك؛ خصب لنا جنابك، وعذب شرابك، وحسنت نظرتك، وكرمت مقدرتك؛ جبرت الفقير، وفككت الأسير، فأنت يا أمير المؤمنين كما قال الأول:
ما زلت في البذل للنوال وإط ... لاق لعان بجرمه علق
حتى تمنى البراء أنهم ... عندك أسرى في القيد والحلق
ودخل رجل على خالد بن عبد الله القسري فقال: أيها الأمير، إنك لتبذل ما جل، وتجبر ما اعتل، وتكثر ما قل؛ ففضلك بديع، ورأيك جميع.
وقال رجل للحسن بن سهل: لقد صرت لا أستكثر كثيرك، ولا أستقل قليلك؛ قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنك أكثر من كثيرك، ولأن قليلك أكثر من كثير غيرك.
وقال خالد بن صفوان لوال دخل عليه: قدمت فأعطيت كلاً بقسطه من نظرك ومجلسك؛ وصلاتك وعداتك، حتى كأنك من كل أحد، وكأنك لست من أحد.
وقال الرشيد لبعض الشعراء: هل أحدثت فينا شيئاً؟ قال: يا أمير المؤمنين، المديح كله دون قدرك، والشعر فيك فوق قدري، ولكني أستحسن قول العتابي:
ماذا عسى مادح يثني عليك وقد ... ناداك في الوحي تقديس وتطهير
فت الممادح إلا أن ألسننا ... مستنطقات بما تخفي الضمايير