باعد ثواب الشاكرين مني
وسأل رجل من أشعب أن يسلفه ويؤخره فقال: هاتان حاجتان، فإذا قضيت إحداهما فقد أنصفت. قال له الرجل: رضيت قال: فأنا أؤخرك ما شئت ولا أسلفك.
أبو حاتم عن الأصمعي عن أبي القعقاع. قال: رأيت أشعب في السوق يبيع قطيفة، ويقول للمشتري: أريد أن أبرأ إليك من عيب. قال: وما ذاك؟ قال: يحترق تحتها من دفن فيها.
قال أشعب: من بال ولم يضرط كتب من الكاظمين الغيظ.
وقيل لأشعب: هل خلق أطمع منك؟ قال: بلى، أمي؛ فإني كنت إذا جئتها بفائدة قد أعطيتها قالت: ما جئت به؟ فأتهجى لها الشيء حرفاً حرفاً. ولقد أهدي لنا مرة غلام قالت: ما جئت به؟ قلت: غين. قالت: ثم ماذا؟ قلت: لام ألف ميم. فأغمي عليها، وجعلت تضرط. ولو أخبرتها به جملة لطار قلبها فرحاً.
وقيل له: ما بلغ من طمعك؟ قال: لم أنظر إلى اثنين يتساران إلا حسبت أنهما يأمران لي بشيء.
ونظر أشعب إلى رجل قبيح الوجه، فقال: ألم ينهكم سليمان بن داود أن تخرجوا بالنهار.
ومر أشعب برجل نجار يعمل طبقاً فقال له: زد فيه طوقاً واحداً تتفضل به علي. قال: وما يدخل عليك من ذلك؟ قال: لعل يوماً يهدى إلي فيه شيء.
قال الأصمعي: أخبرني هارون بن زكريا عن أشعب قال: أدركت الناس يقولون: قتل عثمان. قال الأصمعي: وعاش أشعب إلى زمان المهدي ورأيته.
دخل رجل على الأعمش يسأله عن مسألة، فرد عليه فلم يسمع، قال له: زدني في السماع يرحمك الله. قال ما ذلك لك، ولا كرامة. قال: فبيني وبينك رجل من المسلمين. قال: فخرجا إلى الطريق، فمر بهما شريك القاضي فقال: إني حدثت هذا بحديث فلم يسمع، فسألني أن أزيده في السماع لأنه ثقيل السمع وزعم أن ذلك واجب له، فأبيت. قال له شريك: عليك أن تزيده، لأنك تقدر أن تزيد في صوتك، ولا يقدر أن يزيد في سمعه.
أتت ليلة الشك من رمضان، فكثر الناس على الأعمش يسألونه عن الصوم، فضجر، ثم بعث إلى بيته في رمانة فشقها ووضعها بين يديه، فكان إذا نظر إلى رجل قد أقبل يريد أن يسأله تناول حبة فأكلها، فكفى الرجل السؤال ونفسه الرد.
قال رقبة بن مصقلة: سفه علينا الأعمش يوماً، فقالت امرأته من وراء الستر: احملوا عنه، فوالله ما يمنعه من الحج منذ ثلاثة سنة إلا مخافة أن يلطم كريه، أو يشتم رفيقه.
طلبت بنت الأعمش من الأعمش حاجة، فحجبها بالرد، فقالت: والله ما أعجب منك، ولكني أعجب من قوم زوجوك.
ودخل رقبة بن مصقلة على الأعمش، فقال: إنا والله لنأتينك فما تنفعنا، ونتخلف عنك فما تضرنا، وإن الوقوف إليك لذل، وإن تركك لحسرة، تسأل الحكمة فكأنما تسعط الخردل، وما أشبهك إلا بالصماخيقون، فإنه كريه الشربة، نافع للمعدة. فرفع رأسه الأعمش وقال: من هذا المتكلم؟ فقيل له: رقبة بن مصقلة. فنكس رأسه.
وقال رجل من تلاميذ الأعمش: صنعت للأعمش طعاماً، ثم دعوته، فمضى معي وأنا أقوده، حتى سقطت رجله في حفرة يعملها الصبيان للكرة، فقال: ما هذا؟ قلت: حفرة يعملها الصبيان للكرة. قال: لا، ولكنك حفرتها لتقع رجلي فيها. والله لا أكلت عندك يومي هذا طعاماً. قال: فحملت الطعام إليه، ثم صنعت له بعد ذلك طعاماً ودعوته إليه، فقال: ادخل بنا الحمام قبل ذلك؟ فأدخلته الحمام، فلما جئت أن أصب الماء الحار على رأسه قال: ما دعاك إلى هذا؟ أردت أن تسلق قفاي، والله لا أكلت عندك يومي هذا طعاماً! قال: فحملت الطعام إليه.
وكثر الشعر على الأعمش فقلنا له: لو أخذت من شعرك؟ قال: لا جد حجاماً يسكت حتى يفرغ. قلنا له: فإنا نأتيك بحجام ونتقدم إليه أن يسكت حتى يفرغ. قال: فافعلوا. قال: فأتيناه بحجام وأعذرنا إليه أن لا يتكلم حتى ينقضي أمره، فبدأ الحجام بحلقه، فلما أمعن في حلقه سأله عن مسألة، فنفض ثيابه وقام بنصف رأسه محلوقاً، حتى دخل بيته؛ ثم جئناه بغيره، فقال: لا والله لا أخرج إليه حتى تصوموه أو تحلفوه. فحلفناه ألا يسأله عن شيء. فخرج إليه.
ولمحمد بن مطروح الأعرج من التبرم المليح، والضجر الموقع، ما هو أحسن من هذا وأوقع.
وسأله رجل يوماً: ما تقول يرحمك الله في رجل مات يوم الجمعة، أيعذب عذاب القبر؟ قال: يعذب يوم السبت.
وقال له آخر: أتجد في بعض الحديث أن جهنم تخرب؟ قال: ما أشقاك إن اتكلت على خرابها.