حدثني جدي، وأنا يومئذ غلام حافظ، أن امرأ القيس كان عاشقاً لابنة عمه، ويقال لها: عنيزة، وأنه طلبها زماناً فلم يصل إليها، حتى كان يوم الغدير، وهو يوم دارة جلجل. وذلك أن الحي تحملوا، فتقدم الرجال، وتخلف النساء والخدم والثقل. فلما رأى امرؤ القيس تخلف بعد ما سار مع رجال قومه غلوة، فكن في غيابه من الأرض، حتى مر به النساء وفيهن عنيزة، فلما وردن الغدير قلن: لو نزلنا فاغتسلنا في هذا الغدير، فيذهب عنا بعض الكلال! فنزلن في الغدير، ونحين العبيد ثم تجردن فوقعن فيه، فأتاهن امرؤ القيس فأخذ ثيابهن، فجمعها وقد عليها، وقال: والله لا أعطي جارية منكن ثوبها، ولو قعدت في الغدير يومها، حتى تخرج متجردة فتأخذ ثوبها. فأبين ذلك عليه حتى تعالى النهار، وخشين أن يقصرن عن المنزل الذي يردنه فخرجن جميعاً، غير عنيزة: فناشدته الله أن يطرح ثوبها فأبى، فخرجت فنظر إليها مقبلة ومدبرة، وأقبلن عليه، فقلن له: إنك عذبتنا وحبستنا وأجعتنا. قال: فإن نحرت لكن ناقتي أتأكلن منها؟ قلن: نعم. فجرد سيفه فعرقبها ونحرها ثم كشطها، وجمع الخدم حطباً كثيراً، فأججن ناراً عظيمة فجعل يقطع أطايبها ويلقي على الجمر، ويأكلن ويأكل معهن، ويشرب من فضلة كانت معه ويسقيهن، وينبذ إلى العبيد من الكباب. فلما أرادوا الرحيل قالت إحداهن: أنا أحمل طنفسته. وقالت الأخرى: أنا أحمل رحله وأنساعه، فتقسمن متاعه وزاده. وبقيت عنيزة لم تحمل له شيئاً. فقال لها: يا ابنة الكرام، لا بد أن تحمليني معك، فإني لا أطيق المشي. فحملته على غارب بعيراه، فكان يجنح إليها فيدخل رأسه في خدرها فيقبلها، فإذا امتنعت مال حدجها، فتقول: قعرت بعيري فانزل! ففي ذلك يقول:
ويوم عقرت للعذارى مطيتي ... فيا عجبا من رحلها المتحمل
فظل العذارى يرتمين بلحمها ... وشحم كهداب الدمقس المفتل
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... فقالت لك الويلات إنك مرجلي
تقول وقد مال الغبيط بنا معاً ... عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل
فقلت لها سيري وأرخي زمامه ... ولا تبعديني من جناك المعلل
وكان الفرزدق أروى الناس لأخبار امرئ القيس وأشعاره. وذلك أن امرأ القيس رأى من أبيه جفوة، فلحق بعمه شرحبيل بن الحارث، وكان مسترضعاً في بني دارم، فأقام فيهم، وهم رهط الفرزدق.
خبر دعبل وصريع الغواني
حدثنا أبو سويد بن أبي عتاهية، عن دعبل بن علي الشاعر، قال: بينا أنا ذات يوم بباب الكرخ وأنا سائر، وقد احتوى الفكر على قلبي في أبيات شعر، قد نطق بها اللسان، على غير اعتقاد جنان، فقلت:
دموع عيني لها انبساط ... ونوم عيني به انقباض
فإذا أنا بجارية رائعة الجمال فائق الكمال، حوراء الطرف، يقصر عن نعتها الوصف؛ لها وجه زاهر، ونور باهر، فهي كما قال الشاعر:
كأنما أفرغت في قشر لؤلؤة ... في كل جارحة منها لها قمر
وهي تسمع قولي، فاعترضت فقالت:
هذا قليل لمن دهته ... بلحطها الأعين المراض
فأجبتها فقلت:
فهل لمولاي عطف قلب ... أو للذي في الحشا انقراض
فأجابتني، فقالت:
إن كنت تبغي الوداد منا ... فالود في ديننا قراض
قال دعبل: فلا أعلمني خاطبت جارية تقطع الأنفاس بعذوبة ألفاظها، وتختلس الأرواح ببراعة منطقها، وتذهل الألباب برخيم نغمتها؛ مع ملاحة خد، ورشاقة قد، وكمال عقل، وبراعة شكل، واعتدال خلق. فحار البصر. وذهب اللب، وجل الخطب، وتلجلج اللسان، وتعلقت الرجلان، وما ظنك بالحلفاء إذ دنت من النار. ثم ثاب إلي عقلي، وراجعني حلمي، فذكرت قول بشار:
لا يمنعنك من مخدرة ... قول تغلظه وإن جرحا
عسر النساء إلى مياسرة ... والصعب يمكن بعدما جمحا
هذا لمن حاول ما دون الطمع فيه اليأس منه، فكيف بمن وعد قبل المسألة، وبذل قبل الطلبة. فقلت مسمعاً لها:
أترى الزمان يسرنا بتلاق ... ويضم مشتاقاً إلى مشتاق
فقالت مجيبة لي في أسرع من نفس:
ما للزمان يقال فيه وإنما ... أنت الزمان فسرنا بتلاق