بينا أنا بسوق الكيل بمكة بعد أيام الموسم، إذا أنا بامرأة من نساء مكة، معها صبي يبكي، وهي تسكته فيأبى أن يسكت، فسفرت وأخرت من فيها كسرة درهم، فدفعتها إلى الصبي، فسكت؛ فإذا وجه رقيق كأنه كوكب دري، وإذا شكل رطب، ولسان فصيح، فلما رأتني أحد النظر إليها قالت: اتبعني. فقالت: إن شريطتي الحلال. قالت: ارجع في حرامك، ومن يريدك على حرام؟ فخجلت وغلبتني نفسي على رأيي، فتبعتها فدخلت زقاق العطارين، فصعدت درجة وقالت: اصعد. فصعدت، فقال: أنا مشغولة وزوجي رجل من بني مخزوم، وأنا امرأة من زهرة، ولكن عندي حر ضيق عليه وجه أحسن من العافية، في مثل خلق ابن سريج، وترنم معبد، وتيه ابن عائشة. أجمع لك هذا كله في بدن واحد بأصفر سليم! قلت: وما أصفر سليم؟ قالت: بدينار واحد يومك وليلتك، فإذا قمت جعلت الدينار وظيفة وتزويجاً صحيحاً. قلت: فذلك لك إن اجتمع لي ما ذكرت. قال: فصفقت بيدها إلى جاريتها فاستجابت لها. قالت: قولي لفلانة: البسي ثيابك وعجلي، وبحياتي لا تمسي غمراً، ولا طيباً، فحسبنا بدلالك، وعطرك. قال: فإذا جارية أقبلت ما أحسب الشمس وقعت عليها، كأنها دمية، فسلمت وقعدت كالخجلة. فقالت لها الأولى: إن هذا الذي ذكرتك له، وهو في هذه الهيئة التي ترين. قالت: حياه الله، وقرب داره. قال: لا، والله يا بنية، لقد أنسيتها. ثم نظرت إلي فغمزتني، وقالت: أتدري ما شريطتها؟ قلت: لا. قالت: أقول لك بحضرتها ما إخالها تكرهه، هي والله أفتك من عمرو بن معد يكرب، وأشجع من ربيعة من مكدم، ولست بواصل إليها حتى تسكر وتغلب على عقلها، فإذا بلغت تلك الحال ففيها مطمع. فقلت: ما أهون هذا وأسهله. قالت الجارية: وتركت شيئاً أيضاً. قالت: نعم والله، اعلم أنك لن تصل إليها حتى تتجرد لها فتراك مجرداً، مقبلاً ومدبراً. قلت: وهذا أيضاً أفعله. قالت: هلم دينارك. فأخرجت ديناراً فنبذته إليها، فصفقت صفقة أخرى فأجابتها امرأة، قالت: قولي لأبي الحسن وأبي الحسين: هلما الساعة. فقلت في نفسي: أبو الحسن وأبو الحسين هو علي بن أبي طالب. قال: فإذا شيخان خاضبان نبيلان قد أقبلا فصعدا، فقصت المرأة عليهما القصة، فخطب أحدهما وأجاب الآخر. وأقررت بالتزويج وأقرت المرأة، فدعوا بالبركة، ثم نهضا فاستحييت أن أحمل المرأة شيئاً من المؤونة، فأخرجت ديناراً آخر فدفعته إليها. وقلت: اجعلي هذا لطيبك. قالت: يا أخي، ليست ممن يمس طيباً لرجل، إنما أتطيب لنفسي إذا خلوت. قلت: فاجعلي هذا لغدائنا اليوم. قالت: أما هذا فنعم. فنهضت الجارية، وأمرت بإصلاح ما يحتاج إليه، ثم عادت وتغدينا، وجاءت بدواة وقضيب، وقعدت تجاهي، ودعت بنبيذ، فأعدته واندفعت تغني بصوت لم أسمع مثله قط، فإني ألفت بيوت القنان نحواً من ثلاثين سنة، فما سمعت مثل ترنمها قط، فكدت أجن سروراً وطرباً، فجعلت أريغ أن تدنو مني فتأبى، إلى أن غنت بشعر لم أعرفه، وهو:
راحوا يصيدون الظباء، وإنني ... لأرى تصيدها علي حراما
أعزز علي بأن أروع شبيهها ... أو أن تذوق على يدي حماما
فقلت: جعلت فداك، من تغنى بهذا؟ قالت: اشترك فيه جماعة، هو لمعبد، وتغنى به ابن سريج وابن عائشة. فلما نعي إلينا النهار وجاءت المغرب، تغنت بصوت لم أفهمه، للشقاء الذي كتب علي، فقالت:
كأني بالمجرد قد علته ... نعال القوم أو خشب السواري