FluentPlex

The Unique Necklace

احتجاج المحللين للنبيذ

Original text Public domain

Read with the dictionary

وقد تسمى دماً لأنها تزيد في الدم. قال مسلم بن الوليد الأنصاري:

مزجنا دماً من كرمة بدمائنا ... فأظهر في الألوان منا الدم الدم

قال ابن قتيبة: وحدثني الرياشي أن عبيداً راوية الأعشى قال: سألت الأعشى عن قوله:

وسلافةٍ مما تعتق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريالها

فقال: " شربتها حمراء، وبلتها بيضاء " . يريد أن حمرتها صارت دماً.

ومن منافع الخمر أنها تزيد في الهمة، وتولد الجرأة، وتهيج الأنفة، وتسخي البخيل، وتشجع الجبان. قال حسان بن ثابت:

ونشر بها فتتركنا ملوكاً ... وأسداً ما ينهنهنا اللقاء

وقال طرفة:

فإذا ما شربوها وانتشوا ... وهبوا كل أمون وطمر

ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هداب الأزر

وقال مسلم بن الوليد:

تصد بنفس المرء عماً يغمه ... وتنطق بالمعروف ألسنة البخل

وقال الحسن بن هانئ:

إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى ... دعا همه من صدره برحيل

ومن تسخيتها للبخيل على البذل قول بعض المحدثين:

كساني قميصاً مرتين إذا انتشى ... وينزعه مني إذا كان صاحيا

فلي فرحةٌ في سكره بقميصه ... وفي الصحو روعات تشيب النواصيا

فياليت حظي من سروري وترحتي ... ومن جوده ألا علي ولا ليا

قالوا: ولولا أن الله تعالى حرم الخمر في كتابه لكانت سيدة الأشربة. وما ظنك بشراب الشربة الثانية منه أطيب من الأولى، والثالثة أطيب من الثانية، حتى يؤديك إلى أرفق الأشياء وهو النوم. وكل شراب سواها فالشربة الأولى أطيب من الثانية، والثانية أطيب من الثالثة حتى تمله وتكرهه.

وسقى قومٌ أعرابياً كؤوساً، ثم قالوا: كيف تجدك؟ قال أجدني أبشر وأجدكم تحببون إلي.

وقالوا: ما حرم الله شيئاً إلا عوضنا ما هو خير منه أو مثله، وقد جعل الله النبيذ عوضاً عن الخمر نأخذ منه ما يطيب النفس، ويصفي اللون، ويهضم الطعام، ولا نبلغ منه إلى ما يذهب العقل، ويصدع الرأس، ويغثي النفس، ويشرك الخمر في آفاتها وعظيم جناياتها.

قالوا: وأما قولكم: إن الخمر كل ما خمر، والنبيذ كله يخمر، فهو خمر - فإن الأسماء قد تتشاكل في بعض المعاني، فتسمى ببعضها لعلةٍ فيها، وهي في آخر ولا يطلق ذلك الاسم على الآخر. ألا ترى أن اللبن قد يخمرونه بروبةٍ تلقى فيه ولا يسمى خمراً، وأن العجين قد يخمر فيسمى خميراً ولا يسمى خمراً، وأن نقيع التمر يسمى سكراً لإسكاره ولا يسمى غيره من النبيذ سكراً وإن كان مسكراً. وهذا أكثر في كلام العرب من أن يحاط به.

ورائب اللبن يسكر إسكاراً كسكر النبيذ. ويقال: قوم ملبونون، وقوم روبى، إذا شربوا الرائب فسكروا منه. وقال بشر بن أبي خازم:

فأما تميم تميم بن مرٍ ... فألفاهم القوم روبي نياما

وأما قولكم للرجل: مخمور، وبه خمار، إذا أصابه صداع من الخمر، وقد يقال مثل ذلك لمن أصابه صداع من النبيذ، فيقال: به خمار، ولا يقال به نباذ - فإن حجتنا في ذلك أن الخمار إنما يعرض مما أسكر من النبيذ، وذلك حرام لا فرق بينه وبين الخمر عندنا، فيقال فيه ما يقال في الخمر. وإنما كان شربة النبيذ من أسلافنا يشربون منه اليسير على الغداء والعشاء ومما لا يعرض منه خمار.

وقد فرقت الشعراء بين النبيذ والخمر، فقال الأقيشر، وكان مغرماً بالشراب:

وصهباء جرجانية لم يطف بها ... حنيف، ولم تنغر بها ساعةً قدر

أتاني بها يحيى، وقد نمت نومةً ... وقد غارت الشعري، وقد خفق النسر

فقلت: اصطحبها أو لغيري فاسقها ... فما أنا بعد الشيب، ويحك، والخمر

إذا المرء وافى الأربعين، ولم يكن ... له دون ما يأتي حياءٌ ولا ستر

فدعه، ولا تنكر عليه الذي أنى ... وأن جر أرسان الحياة له الدهر

فأعلمك أن الخمر هي التي لم تغل به القدور.

وأما قول بعض الشعراء في شاربي النبيذ، وما عابوهم به من قلة الوفاء، ونقض العهود فقد قالوا أقبح من ذلك في تارك النبيذ، وقال ابن بيض:

ألا لا يغرنك ذو سجدةٍ ... يظل بها دائباً يخدع

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account