زعم علماء الطب أن الجسد من الطبائع الأربع اثني عشر رطلاً: فللدم منها ستة أرطال، وللمرة الصفراء والسوداء والبلغم ستة أرطال، فإن غلب الدم الطبائع تغير منه الوجه وورم، وخرج ذلك إلى الجذام، وإن غلبت الثلاث الطبائع الدم أنبتت المد.
قال: فإذا خاف الإنسان غلبة هذه الطبائع بعضها بعضاً فليعدل جسده بالاقتصاد، وينقه بالمشي، فإنه إن لم يفعل اعتراه ما وصفنا: إما جذام، وإما مد. نسأل الله العافية.
ولا بأس بعلاج الجسد في جميع الأزمان إلا أيام السموم، إلا أن ينزل فيها مرض شديد لا بد من مداواته، أو يظهر فيها موم، أو ذات الجنب، فإنه ينبغي للطبيب أن يعانيه بفصاد، أو شيء خفيف، فإنها أيام ثقيلة. وهي خمسة عشر يوماً من تموز إلى النصف من آب، فذلك ثلاثون يوماً لا يصلح فيها علاج، وكان بقراطيس يجعلها تسعة وأربعين يوماً، ويقطع الغرر والخطر في أيام القيظ، فإذا مضى لأيلول ثلاثة أيام طاب التداوي كله.
وأمر جالينوس في الربيع بالحجامة، والنورة، وأكل الحلاوة وشربها، ونهى عن القطاني واللبن الرائب، وعتيق الجبن، والمالح، والفاكهة اليابسة، إلا ما كان مسلوقاً.
وفي القيظ وهو زمان المرة الصفراء بأكل البارد الرطب على قدر قوة الرجل في طبعه وسنه، وترك الجماع، وأكل الحوت الطري، والفاكهة الرطبة والبقول ولحم البقر والمعز، ومن القطاني العدس، ومن الأشربة المربب بالورد، والسكركة من الشعير، والسكر بالماء المطبوخ، وأكل الكزبرة الخضراء في الأطعمة وأكل الخيار والبطيخ، ولزوم دهن الورد، وماء الورد، ورش الماء، وبسط البيت بورق الشجر، ومن الدواء السكر بالمصطكى، يسحقهما مثلاً بمثل، ويأخذ منهما على الريق قدر الدرهم أو أكثر قليلاً.
وفي زمان الخريف وهو زمان السوداء، وهو أثقل الأزمنة على أهل تلك الطبيعة، من الطعام والشراب بالحار الرطب، مثل الأحساء بالحلاوة، وأكل العسل وشربه. ونهي فيه عن الجماع، وأكل لحم المعز والبقر، وأمر بأكل صيود البر والبحر، وحسو البيض والدهن قبل الحمام، وإيتان النساء على غير شبع في آخر الليل وفي أول النهار، والتماس الولد على الريق من الرجل والمرأة، فإن أولاد ذلك الزمان أسد وأقوى تركيباً من غيرهم، كما قالت الحكماء.
الخمر المحرمة في الكتاب
أجمع الناس على أن الخمر المحرمة في الكتاب خمر العنب، وهي ما غلا وقذف الزبد من عصير العنب، من غير أن تمسه نار. ولا تزال خمراً حتى تصير خلاً، وذلك إذا غلبت عليها الحموضة، وفارقتها النشوة؛ لأن الخمر ليست محرمة العين، كما حرمت عين الخنزير، وإنما حرمت لعرض دخلها، فإذا زايلها ذلك العرض عادت حلالاً، كما كانت قبل الغليان حلالاً، وعينها في كل ذلك واحدة، وإنما انتقلت أعراضها من حلاوةٍ إلى مرارة، ومن مرارة إلى حموضة، كما ينتقل طعم الثمرة إذا أينعت من حموضة إلى حلاوة، والعين قائمة، وكما ينتقل طعم الماء بطول المكث فيتغير طعمه وريحه، والعين قائمة.
ونظير الخمر فيما يحل ويحرم بعرض: المسك، الذي هو دم عبيط حرام، ثم يجف وتوجد رائحته فيصير حلالاً طيباً.
فهذه الخمر بعينها المجمع على تحريمها. وأصحاب النبيذ إنما يدورون حولها ويتعللون بأنهم يشربون ما دون المسكر، ولا لذة لهم دون مواقعة السكر، كما قال الشاعر:
يدورون حول الشيخ يلتمسونه ... بأشربةٍ شتى هي الخمر تطلب
وكقول القائل:
إياك أعني فاسمعي يا جاره
قيل للأحنف بن قيس: أي الشراب أطيب؟ فقال: الخمر. قيل له: وكيف علمت ذلك، وأنت لم تشربها؟ قال: إني رأيت من حلت له لا يتعداها، ومن حرمت عليه إنما يدور حولها.
وقال ابن شبرمة:
ونبيذ الزبيب ما اشتد منه ... فهو للخمر والطلاء نسيب
وقال عبد الله بن القعقاع:
أتانا بها صفراء يزعم أنها ... زبيب فصدقناه وهو كذوب
فهل هي إلا ساعة غاب نحسها ... أصلي لربي بعدها وأتوب
وقال ابن شبرمة: أتانا الفرزدق، فقال: اسقوني. فقلنا: وما تريد أن نسقيك؟ قال: " أقربه إلى الثمانين " ، ويعني حد الخمر.