ثم صار زياد من رجال معاوية وأعضاده، فولاه البصرة وخراسان وسجستان، وأضاف إليه الهند والبحرين وعمان، وأضاف إليه في آخر الأمر الكوفة. وكتب زياد على كتبه: من زياد بن أبي سفيان، وكانوا قبل ذلك يقولون له زياد بن عبيد تارة وتارة زياد بن سمية، ومن يتحرى الصدق يقول زياد ابن أبيه.
وكان زياد أحد الدهاة عظيم السياسة قوي الهيبة صحيح العقل سديداً شهماً فطناً بليغاً.
وكانت وفاة معاوية، رضي الله عنه، في سنة ستين من الهجرة. ولما أدركته الوفاة أوصى إلى ابنه يزيد وصية تدل على عقله ولبه وخبرته بالأمور ومعرفته بالرجال، فلم يعمل يزيد بشيء منها. وقد أثبتها هاهنا لحسنها وسدادها.
وصية معاوية لابنه: قالوا: لما مرض معاوية، رضي الله عنه، مرضه الذي مات فيه دعا ابنه يزيد فقال له: ً يا بني إني قد كفيتك الشد والترحال ووطأت لك الأمور وذللت لك الأعداء وأخضعت لك رقاب العرب وجمعت لك ما لم يجمعه أحد. فانظر أهل الحجاز فإنهم أصلك، فأكرم من قدم عليك منهم، وتعهد من غاب. وانظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل كل يوم عاملاً فافعل. فإن عزل عامل أيسر من أن يشهر مائة ألف سيف. وانظر أهل الشأم وليكونوا بطانتك فإن رابك من عدوك شيء فانتصر بهم فإذا أصبتهم فاردد أهل الشأم إلى بلادهم فإنهم إن أقاموا بها تغيرت أخلاقهم. وإني لست أخاف عليك أن ينازعك في هذا الأمر إلا أربعة من قريش: الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر، رضي الله عنهم. فأما ابن عمر فرجل قد وقذته العبادة وإذا لم يبق أحد غيره بايعك. وأما الحسين بن علي فهو رجل خفيف ولن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه. فإن خرج وظفرت به فاصفح عنه فإن له رحماً ماسة وحقاً عظيماً وقرابة من محمد، صلوات الله عليه وسلامه. وأما ابن أبي بكر فإن رأى أصحابه صنعوا شيئاً صنع مثله ليست له همة إلا في النساء واللهو. وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك مراوغة الثعلب فإن أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير. فإن هو وثب عليك فظفرت به فقطعه إرباً إرباً. واحقن دماء قومك ما استطعت.
وفي هذه الوصية دليل على ما سبق من وفور رغبته في تدبير الملك وشدة كلفه بالرياسة.
يزيد بن معاوية
ثم ملك بعده ابنه يزيد كان موفر الرغبة في اللهو والقنص والخمر والنساء والشعر. وكان فصيحاً كريماً شاعراً مفلقاً. قالوا بدىء الشعر بملك وختم بملك، إشارة إلى امرىء القيس وإليه. فمن شعره:
جاءت بوجه كأن البدر برقعه ... نوراً على مائسٍ كالغصن معتل
إحدى يديها تعاطيني مشعشعةً ... كخدها عصفرته صبغة الخجل
ثم استبدت وقالت، وهي عالمة ... بما تقول وشمس الراح لم تفل:
لا ترحلن فما أبقيت من جلدي ... ما أستطيع به توديع مرتحل
ولا من النوم ما ألقى الخيال به ... ولا من الدمع ما أبكي على الطلل
كانت ولايته على أصح القولين ثلاث سنين وستة أشهر. ففي السنة الأولى قتل الحسين بن علي، عليهما السلام، وفي السنة الثانية نهب المدينة وأباحها ثلاثة أيام، وفي السنة الثالثة غزا الكعبة.
فنبدأ بشرح قتل الحسين، عليه السلام.
مقتل الحسين : شرح كيفية الحال في ذلك على وجه الاختصار: هذه قضية لا أحب بسط القول فيها استعظاماً لها واستفظاعاً. فإنها قضية لم يجر في الإسلام أعظم فحشاً منها. ولعمري إن قتل أمير المؤمنين، عليه السلام، هو الطامة الكبرى. ولكن هذه القضية جرى فيها من القتل الشنيع والسبي أو التمثيل ما تقشعر له الجلود. واكتفيت أيضاً عن بسط القول فيها بشهرتها فإنها أشهر الطامات. فلعن الله كل من باشرها وأمر بها ورضي بشيء منها ولا تقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً وجعله من ً الأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً وجملة ما جرى في ذلك أن يزيد، لعنه الله، لما بويع لم يكن له هم إلا تحصيل بيعة الحسين، رضي الله عنه، والنفر الذي حذره أبوه منهم. فأرسل إلى الوليد ابن عتبة بن أبي سفيان، وهو يومئذ أمير المدينة، يأمره بأخذ البيعة عليهم.