ومما عظم على الناس عامة وعلى بني أمية خاصة قضية الاستلحاق، وهي أن معاوية، رضي الله عنه، استلحق زياد ابن أبيه وجعله أخاً له ليتكثر به ويتقوى برأيه ودهائه.
استلحاق معاوية لزياد ابن أبيه: شرح كيفية الاستلحاق على وجه الاختصار: كانت سمية أم زياد بغياً من بغايا العرب، ولها زوج اسمه عبيد، فاتفق أن أبا سفيان، وهو أبو معاوية، نزل بخمار يقال له أبو مريم، فطلب أبو سفيان منه بغياً. فقال له أبو مريم: هل لك في سمية؟! وكان أبو سفيان يعرفها. فقال: هاتها على طول ثديها وذفر بطنها. فأتاه بها فوقع أبو سفيان عليها فعلقت منه بزياد ثم وضعته على فراش زوجها عبيد.
فلما نشأ زياد تأدب وبرع وتقلب في الأعمال فولاه عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عملاً فأحسن القيام به. فحضر يوماً مجلس عمر وفيه أكابر الصحابة وأبو سفيان في جملة القوم ، فخطب زياد خطبة بليغة لم يسمعوا بمثلها. فقال عمرو بن العاص: لله در هذا الغلام لو كان أبوه من قريش لساق العرب بعصاه، فقال أبو سفيان: والله إني لأعرف أباه الذي وضعه في رحم أمه، وعنى نفسه. فقال له أمير المؤمنين علي، عليه السلام: يا أبا سفيان اسكت فإنك لتعلم أن عمر لو سمع هذا القول منك لكان إليك سريعاً.
فلما ولي، عليه السلام، الخلافة، استعمل زياداً على فارس فضبطها وحمى قلاعها وقام فيها مقاماً مرضياً واشتهرت كفاءته واتصل الخبر بمعاوية، رضي الله عنه، فساءه أن يكون من أصحاب علي، عليه السلام، رجل مثل زياد ، وأراده لنفسه. فكتب إليه كتاباً يتهدده ويعرض له بولادة أبي سفيان ويقول له: أنت أخي، فلم يلتفت زياد إليه. وبلغ الخبر أمير المؤمنين علياً، عليه السلام، فكتب إلى زياد: إني وليتك ما وليتك، وأنا أراك له أهلاً. وقد كانت من أبي سفيان فلتة من أماني الباطل وكذب النفس لا توجب لك ميراثاً ولا تحل له نسباً. وإن معاوية، رضي الله عنه، يأتي الإنسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، فاحذر ثم احذر والسلام.
فلما قتل علي، عليه السلام، جد معاوية في استصفاء مودة زياد واستمالته وترغيبه إلى الانخراط في زمرته، فنشأ بينهما حديث ولادة أبي سفيان واتفقا على الاستلحاق، وحضر شهود مجلس معاوية، رضي الله عنه، فشهدوا بأن زياداً ولد أبي سفيان. فمن جملة الشهود أبو مريم الخمار الذي أحضر سمية إلى أبي سفيان، وكان أبو مريم الخمار الذي أحضر سمية إلى أبي سفيان ، وكان أبو مريم هذا قد أسلم وحسن إسلامه، فقال له: بم تشهد يا أبا مريم؟ فقال: أشهد أن أبا سفيان حضر عندي وطلب مني بغياً. فقلت له: ليس عندي إلا سمية. فقال: هاتها على قذرها ووضرها، فأتيته بها فخلا معها فخرجت من عنده وإنها لتقطر منياً. فقال له زياد: مهلاً يا أبا مريم! فإنما دعيت شاهداً ولم تدع شاتماً، فاستلحقه معاوية، رضي الله عنه. قالوا: وكان هذا الاستلحاق أول ما ردت به أحكام الشريعة علانية، فإن رسول الله، صلوات الله عليه ، قضى بالولد للفراش وللعاهر الحجر.
واعتذر قوم لمعاوية بأن قالوا : إنما جاز استلحاق معاوية زياداً لأن أنكحة الجاهلية كانت أنواعاً، فمن جملتها أن الجماعة إذا جامعوا بغياً ثم ولدت تلك البغي ألحقت الولد بمن شاءت منهم؛ والقول في ذلك قولها. فلما جاء الإسلام حرم هذا النكاح إلا أنه أقر كل ولد على نسبه إلى الأب الذي عرف به من أي نكاحٍ كان من أنكحتهم ، ولم يفرق الإسلام بين شيء من ذلك.
قال آخرون: صدقتم في هذا، لكن معاوية، رضي الله عنه، توهم أن ذلك على هذه الصورة، ولم يفرق بين ما استلحق في الجاهلية والإسلام، فإن زياداً لم يكن يعرف في الجاهلية بأبي سفيان ولم يكن منسوباً إلا إلى عبيد، فكان يقال زياد بن عبيد، وبين الصورتين بون. وقال الشاعر مشيراً إلى هذه القضية :
ألا أبلغ معاوية بن حرب ... مغلغلةً عن الرجل اليماني
أتغضب أن يقال أبوك عف ... وترضى أن يقال أبوك زان
فأقسم أن رحمك من زيادٍ ... كرحم الفيل من ولد الأتان