فتراضى الناس جميعاً بذلك إلا أمير المؤمنين، عليه السلام، فإنه رضي كارهاً مغلوباً ونفر يسير من بطائنه كالأشتر وابن عباس، رضي الله عنهم، وغيرهما. وانعقد الاجماع على تحكيم رجلين. فأما أهل الشأم فاتفقوا على أن يكون الحكم من جهتهم عمرو بن العاص، رضي الله عنه، داهية العرب. وأما أهل العراق فطلبوا أبا موسى الأشعري، رضي الله عنه، وكان شيخاً مغفلاً فلم يستصلحه أمير المؤمنين، عليه السلام، للتحكيم، وقال: إن كان ولابد من التحكيم فدعوني أرسل عبد الله بن عباس، فقالوا: لا والله هو أنت وأنت هو. قال: فالأشتر؟ قالوا: فهل سعر الأرض غير الأشتر ؟ قال: فقد أبيتم إلا أبا موسى ؟ قالوا : نعم. قال: فافعلوا ما شئتم . فاتفق الناس على أبي موسى وعمرو بن العاص، رضي الله عنهما، وتواعدوا إلى شهور وسكنت الحرب وانصرف الناس إلى أمصارهم ورجع معاوية، رضي الله عنه، إلى الشأم وأمير المؤمنين، عليه السلام، إلى العراق.
ثم بعد شهور سار الحكمان ليجتمعا بدومة الجندل وكانت ميعاد الحكمين، وسار ناس من الصحابة ليشهدوا ذلك المقام. وكان أمير المؤمنين، عليه السلام، قد أرسل صحبة أصحابه عبد الله بن العباس، رضي الله عنه. فلما اجتمع الحكمان قال عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري: يا أبا موسى ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوماً؟ قال : أشهد. قال: ألست تعلم أن معاوية وآل معاوية أولياؤه؟ قال: بلى. قال عمرو: فما منعك منه وبيته في قريش كما قد علمت؟ فإن خفت أن يقول الناس ليست له سابقة فقل وجدته ولي عثمان الخليفة المظلوم والطالب بدمه الحسن السياسة والتدبير، وهو أخو أم حبيبة زوج النبي، صلوات الله عليه، وكاتبه وقد صحبه. وعرض عمرو لأبي موسى بولاية ووعده عن معاوية بأشياء، فأبى أبو موسى وقال: معاذ الله أن أولي معاوية وأن أقبل في حكم الله رشوة. فقال له عمرو: فما تقول في ابني عبد الله؟ وكان لعمرو بن العاص ابن اسمه عبد الله من خيار الصحابة، رضي الله عنهم، فأباه أبو موسى وقال لعمرو: إنك غمسته معك في هذه الفتنة، ولكن هل لك في إحياء اسم عمر بن الخطاب؟ وندبه إلى عبد الله بن عمر فأباه عمرو. فلما لم يتفقا قال له عمرو: يا أبا موسى فأي شيء هو رأيك ؟ قال أبو موسى: رأيي أن نخلع علياً ومعاوية، رضي الله عنهما، من هذا الأمر ونريح الناس من هذه الفتنة وندع أمر الناس شورى فيختار المسلمون لأمرهم من يجمعون عليه. قال عمرو، رضي الله عنه: نعم ما رأيت، وأنا معك على ذلك. ولاح لعمرو وجه الحيلة، وكان قد عود أبا موسى الأشعري أن يتقدمه في الكلام، يقول له: أنت صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأكبر سناً. فتعود أبو موسى أن يتكلم قبل عمرو، فتقدم أبو موسى وقال: إني وعمراً قد اتفقنا على أمرٍ نرجو فيه صلاح المسلمين. فتقدم عمر وقال: صدق وبر، تقدم يا أبا موسى وأعلم الناس بما اتفقنا عليه. فقام ابن عباس وقال لأبي موسى: ويحك إني لأظنه قد خدعك وقد أوهمك أنه اتفق معك على ما تريد ثم قدمك لتعترف به فإذا اعترفت أنكره فإنه رجل غادر فإن كنتما قد اتفقتما على شيء فقدمه ليقوله قبلك. فقال أبو موسى: إنا قد اتفقنا، ثم قال: إننا قد اتفقنا على أن نخلع علياً ومعاوية وندع أمر المسلمين شورى يختارون من أجمعوا عليه إني قد خلعت علياً ومعاوية من الخلافة كما يخلع الخاتم من الإصبع. فتقدم عمرو بن العاص، رضي الله عنه، وقال: أيها الناس قد سمعتم ما قال وأنه قد خلع صاحبه وأنا أيضاً قد خلعته معه وأثبت صاحبي معاوية. فأنكر أبو موسى وقال: إنه غدر وكذب وما على هذا اتفقنا. فلم يسمع منه، وتفرق الناس.
ومضى عمرو بن العاص وأهل الشأم إلى معاوية وسلموا عليه بالخلافة. ومضى ابن عباس وأصحاب علي، عليه السلام، إلى أمير المؤمنين وأخبروه بما جرى. وأما أبو موسى فإن أهل الشأم تطلبوه فهرب إلى مكة.
وعلى ذلك انفصل أمر صفين، وكان ابتداؤه في سنة ست وثلاثين وانقضاؤه في سنة سبع وثلاثين.
حديث الخوارج وما كان منهم وما آلت بهم الحال إليه: