FluentPlex

Al-Fakhrī

حكاية

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

افتخر بعض الأغنياء عند بعض الحكماء بالآباء والأجداد وبزخارف المال المستفاد، فقال له ذلك الحكيم: إن كان في هذه الأشياء فخر فينبغي أن يكون الفخر لها لا لك، وإن كان آباؤك كما ذكرت أشرافاً فالفخر لهم لا لك.

قال العسجدي: كان بعض الحكماء إذا وصف عنده إنسان يقول: هو عصامي أم عظامي؟ فإن قيل له هو عصامي نبل في عينه، وإن قيل هو عظامي لم يكترث به. وقوله عصامي إشارة إلى قول القائل:

نفس عصامٍ سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما

وصيرته ملكاً هماما

يعني أن بعقله وبنفسه صار رئيساً؛ وقوله عظامي يعني أنه يفتخر بالآباء والأجداد والعظام النخرة. قال العسجدي لبعض أصحاب ابن العميد ذي الكفايتين: كيف رأيت الوزير؟ فقال: رأيته يابس العود، ذميم العهود، سيء الظن بالمعبود. فقال العسجدي: أما رأيت تلك الأبهة والصيت والموكب والتجمل الظاهر والدار الجليلة والفرش السني والحاشية الجميلة؟ فقال ذلك الرجل: الدولة غير السؤدد. والسلطنة غير الكرم. والحظ غير المجد. أين الزوار والمنتجعون؟ وأين الآملون والشاكرون ؟ وأين الواصفون الصادقون؟ وأين المنصرفون الراضون؟ وأين الهبات وأين التفضلات؟ وأين الخلع والتشريفات ؟ وأين الهدايا وأين الضيافات ؟ هيهات هيهات لا تجيء الرياسة بالترهات ولا يحصل الشرف بالخزعبلات، أما سمعت قول الشاعر:

أبا جعفر ليس فضل الفتى ... إذا راح في فرط إعجابه

ولا في فراهة برذونه ... ولا في ملاحة أثوابه

ولكنه في الفعال الجمي ... ل والكرم الأشرف النابه

ولمؤلف هذا الكتاب ، أصلح الله شأنه، وصانه عما شانه، في هذا المعنى:

ليس فضل الفتى على الناس في ثو ... بٍ ودارٍ وبغلةٍ ولجام

إنما الفضل في تفقد جارٍ ... ونسيبٍ وصاحبٍ وغلام

أنواع السياسات الخمسة

قالوا: السياسات خمسة أنواع، سياسة المنزل والقرية والمدينة والجيش والملك، فمن حسنت سياسته في منزله حسنت سياسته في قريته، ومن حسنت سياسته في قريته حسنت سياسته في مدينته ، ومن حسنت سياسته في مدينته حسنت سياسته للجيش، ومن حسنت سياسته للجيش حسنت سياسته للملك. وأنا لا أرى هذا لازماً، فكم من عامي حسن السياسة لمنزله ليس له قوة سياسة الأمور الكبار، وكم من ملك حسن السياسة لمملكته ليس يحسن سياسة منزله، والمملكة تحرس بالسيف وتدبر بالقلم، واختلفوا في السيف والقلم أيهما أفضل وأولى بالتقديم ، فقوم يرون أن يكون القلم غالباً للسيف، واحتجوا على مذهبهم لأن السيف يحفظ القلم فهو يجري معه مجرى الحارس والخادم، وقوم يرون أن يكون السيف هو الغالب، واحتجوا بأن القلم يخدم السيف لأنه يحصل لأصحاب السيوف أرزاقهم فهو كالخادم له. وقوم قالوا: هما سواء ولا غنىً لأحدهما عن الآخر. قالوا: المملكة تخصب بالسخاء وتعمر بالعدل وتثبت بالعقل وتحرس بالشجاعة وتساس بالرياسة، وقالوا: الشجاعة لصاحب الدولة.

ومن وصايا الحكماء: اجعل قتال عدوك آخر حيلتك، وانتهز الفرصة وقت إمكانها، وكل الأمور إلى أكفائها، ومن ركب ظهر العجلة لم يأمن الكبوة، ومن عادى من لا طاقة له به فالرأي له مداراته وملاطفته والتضرع إليه، حتى يخلص من شره ببعض وجوه الخلاص.

قالوا: وينبغي للملك ملاطفة أعدائه وإخوان أعدائه، فبدوام الإحسان إليهم تزول عداوتهم، وإن أصروا على عداوته بعد إحسانه كانوا قد بغوا عليه، ومن بغي عليه لينصرنه الله.

وعظ بعض الحكماء بعض أفاضل الملوك فقال: الدنيا دول فما كان فيها لك أتاك على ضعفك، وما كان فيها عليك لم تدفعه بقوتك، والشر مخوف ولا يخافه إلا العاقل، والخير مرجو يطلبه كل أحد، وطالما تأتى الخير من ناحية الشر، وتأتى الشر من جهة الخير، وهذا مأخوذ من قوله عز وجل: ً وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمونً

حكاية

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا