ها قد دهتك فنون ... من المصائب غرب
فانهض بعزمٍ وإلا ... غشاك ويل وحرب
كسر وهتك وأسر ... ضرب ونهب وسلب
وفي ذلك يقول بعض شعراء الدولة المستعصمية من قصيدة أولها:
يا سائلي ولمحض الحق يرتاد ... أصخ فعندي نشدان وإنشاد
واضيعة الناس والدين الحنيف وما ... تلقاه من حادثات الدهر بغداد
هتك وقتل وأحداث يشيب بها ... رأس الوليد وتعذيب وأصفاد
كل ذلك وهو عاكف على سماع الأغاني واستماع المثالث والمثاني، وملكه قد أصبح واهي المباني.
ومما اشتهر عنه أنه كتب إلى بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل يطلب منه جماعةً من ذوي الطرب، وفي تلك الحال وصل رسول السلطان هولاكو إليه يطلب منه منجنيقات وآلات الحصار، فقال بدر الدين: انظروا إلى المطلوبين وابكوا على الإسلام وأهله. وبلغني أن الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي كان في أواخر الدولة المستعصمية ينشد دائماً :
كيف يرجى الصلاح في أمر قومٍ ... ضيعوا الحزم فيه أي ضياع
فمطاع المقال غير سديدٍ ... وسديد المقال غير مطاع
قالوا: ولا ينبغي للرجل الكامل إلا أن يكون في الغاية القصوى من طلب الرياسة أو في الغاية القصوى من تركها:
إذا ما لم تكن ملكاً مطاعا ... فكن عبداً لخالقه مطيعا
وإن لم تملك الدنيا جميعا ... كما تهواه فاتركها جميعا
أدوات الرياسة
وهاهنا موضع حكايةٍ تشتمل على أدوات الرياسة، قيل: ورد أبو طالب الجارحي الكاتب ولم يكن في عصره أكتب ولا أفضل منه إلى الري قاصداً حضرة ابن العميد، فلم يجد عنده قبولاً ولا رأى عنده ما يحب، ففارقه وقصد أذربيجان وسار إلى ملكها، وكان فاضلاً لبيباً، فلما اختبره وعرف فضله سأله المقام عنده وأفضل عليه، فأقام لديه على أفضل حال، فكتب إلى ابن العميد يوبخه على جهل حقه وتضييعه لمثله، فمن جملة الكتاب: حدثني بأي شيء تحتج إذا قيل لك لم سميت الرئيس؟ وإذا قيل لك ما الرياسة؟ أتدري ما الرياسة ؟ الرياسة أن يكون باب الرئيس مصوناً في وقت الصون، ومفتوحاً في وقت الفتح، وأن يكون مجلسه عامراً بأفاضل الناس وخيره واصلاً إلى كل أحد، وإحسانه فائضاً، ووجهه مبسوطاً، وخادمه مؤدباً، وحاجبه كريماً طلقاً، وبوابه لطيفاً، ودرهمه مبذولاً وطعامه مأكولاً، وجاهه معرضاً، وتذكرته مسودة بالصلات والجوائز والصدقات، وأنت فبابك لا يزال مقفلاً، ومجلسك خالياً، وخيرك مقنوطاً منه، وإحسانك غير مرجو، وخادمك مذموم، وحاجبك هرار، وبوابك شرس الأخلاق، ودرهمك في العيوق، وتذكرتك محشوة بالقبض على فلان واستئصال فلان ونفي فلان، فبالله عليك هل عندك غير هذا؟ ولولا أن أكون قد دست بساطك، وأكلت من طعامك، لأشعث هذه الرقعة، ولكني أرعى لك حق ما ذكرت، فلا يعلم بها إلا الله وأنت، ووالله ثم والله ثم والله مالها عندي نسخة ولا رآها مخلوق غيري ولا علم بها، فأبطلها أنت إذا وقفت عليها وأعدمها والسلام على من اتبع الهدى.
الجزاء على الإحسان والإساءة
ويجب أن يكون الملك مجازياً على الإحسان بمثله وعلى الإساءة بمثلها، لتكون رعيته دائماً راجين لبره خائفين من سطوته؛ وما أحسن قول النابغة للنعمان بن المنذر في هذا الباب وهو :
ومن أطاعك فانفعه بطاعته ... كما أطاعك وادلله على الرشد
ومن عصاك فعاقبه معاقبةً ... تنهي الظلوم ولا تقعد على ضمد
وقالت الفرس: فساد المملكة واستجراء الرعية وخراب البلاد بإبطال الوعد والوعيد، ولا يليق بالملك الفاضل أن يكون افتخاره بزخارف الملك مما حوته يده، واشتملت عليه خزانته من نفائس الذخائر وطرائف المقتنيات، فإن تلك ترهات لا حقائق لها، ولا معرج لفاضل عليها، وكذلك لا ينبغي له أن يكون فخره بالآباء والأجداد، وإنما ينبغي أن يكون فخره بالفضائل التي حصلها، والأخلاق التي كملها، والآداب التي استفادها، والأدوات التي استجادها.