حدثنا ابن البهلول أن أبا حذيفة واصل بن عطاء خرج يريد سفراً في رهط فاعترضهم جيش من الخوارج فقال واصل لا ينطقن أحد ودعوني معهم فقصدهم واصل فلما قربوا بدأ الخوارج ليوقعوا فقال كيف تستحلون هذا ما تدرون من نحن ولا لأي شيء جئنا فقالوا نعم فما أنتم، قال قوم من المشركين جئناكم لنسمع كلام الله قال فكفوا عنهم وبدأ رجل منهم يقرأ عليهم القرآن فلما امسك قال واصل قد سمعنا كلام الله فأبلغنا مأمنا حتى ننظر فيه وكيف ندخل في الدين فقال هذا واجب سيروا فسرنا والخوارج والله معنا يحمونا فراسخ حتى قربنا إلى بلد لا سلطان لهم عليه فانصرفوا قال أبو اسحق الجمهي لما صرف الحجاج قال لغلام له تعال نتنكر وننظر ما لنا عند الناس فتنكروا وخرجا فمرا على المطلب غلام أبي لهب فقالا يا هذا أي شيء غير الحجاج قال على الحجاج لعنة الله قالا فمتى يخرج قال اخرج الله روحه من بين جنبيه ما يدريني قال اتعرفني قال لا قال أنا الحجاج بن يوسف قال المطلب أتعرفين أنت قالا قال أنا المطلب غلام أبي لهب معروف أصرع في كل شهر ثلاثة أيام أولها اليوم فتركه ومضى.
وحكى أبو الحسن بن هلال الصابي أن الحجاج انفرد يوماً من عسكره فمر ببستاني يسقي ضيعته فقال كيف حالكم مع الحجاج فقال لعنه الله المبيد البر الحقود عجل الله الانتقام منه فقال له أتعرفني قال لا قال أنا الحجاج فرأى أن دمه قد طاح فرفع عصا كانت معه فقال أتعرفني قال لا قال أنا أبو ثور المجنون وهذا يوم صرعي وأزبد وأرغى وهاج وأراد أن يضرب رأسه بالعصى فضحك منه وانصرف.
وبلغنا أن الحجاج انفرد يوماً عن عسكره فلقي أعرابياً فقال يا وجه العرب كيف الحجاج قال ظلم غاشم قال فهلا شكوته إلى عبد الملك فقال لعنه الله أظلم منه وأغشم فأحاط به العسكر فلقال اركبوا البدوي فاركبوه فسأل عنه فقالوا هو الحجاج فركض من الفرس خلف وقال يا حجاج قال مالك قال السر الذي بيني وبينك لا يطلع عليه أحد فضحك وخلاه ولقي الحجاج أعرابياً بفلاة فسأل عن نفسه وعن عماله وسعاته فأخبر بكل ما يكره فقال له أنا الحجاج قتلني الله إن لم أقتلك قال فأين حق الاسترسال قال أولى لك ما أحسن ما تخلصت وخلى سبيله قال كان أبو الحسين بن السماك يتكلم على الناس بجامع المدينة وكان لا يحسن من العلوم شيئاً غلا ما شاء الله وكان مطبوعاً يتكلم على مذهب الصوفية فكتبت إليه ما يقول السادة الفقهاء في رجل مات وخلف كذا وكذا ففتحها فتأملها فقرأ ما تقول السادة الفقهاء في رجل مات فلما رآها في الفرائض رماها من يده وقال أنا أتكلم على مذاهب قوم إذا ماتوا لم يخلفوا شيئاً فعجب الحاضرون من حدة خاطره.
ويحكى أن مزيداً كان يدخل على بعض ولاة المدينة فأبطأ عليه ذات يوم ثم جاء فقال ما أبطأك عني قال جارة لي كنت أهواها منذ حين فظفرت بها ليلتي وتمكنت منها فغضب الوالي وقال والله لآخذنك بإقرار فلما رأى الجد منه قال فاسمع تمام حديثي قال وما هو قال فلما أصبحت خرجت أطلب مفسراً يفسر لي رؤياي فلم أقدر عليه إلى الساعة قال ذلك في المنام رأيت قال نعم فسكن غضبه وقد روينا عن أبي الفضل الربيع عن أبيه قال، قال المأمون يوماً وهو مغضب لأبي دلف أنت الذي يقول فيك الشاعر:
إنا الدنيا أبو دلف ... بين بادية ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
فقال يا أمير المؤمنين شهادة زور وقول عزور وملق معتاف وطلب عرف واصدق منه ابن أخت لي حيث يقول:
دعيني أجوب الأرض في طلب الغنى ... فلا الكرخ الدنيا ولا الناس قاسم
فضحك المأمون وسكن غضبه وروى أن عزة وبثينة اجتمعتا فتحدثتا فاقبل كثير فقالت بثينة أتحبين أن أبين لك أن كثير غير صادق في محبتك قالت نعم قالت ادخلي الخباء فدخلت فدنا كثير فوقف على بثينة فسلم عليها فقالت له ما تركت عزة فيك مستمعاً لأحد فقال كثير والله لو أن عزة أمة لوهبتها لك فقالت إن كنت صادقاً فقل في هذا شعراً فأنشأ يقول.
رمتني على عمد بثينة بعدما ... تولى شبابي وارجحن شبابها
بعينين نجلاوين لو رقرقتهما ... لنؤ الثريا لاستهل سحابها
فبادرت عزة وكشفت الحجاب وقالت له يا فاسق قد سمعت البيتين فقال لهال فاسمعي الثالث قالت وما هو قال