أخبرنا أبو الحسن القيسي قال استودع رجل رجلاً من أبناء الناس مالاً وكان أمينا لا بأس به وخرج المستودع إلى مكة فلما رجع طلبه فجحده فأتى أياساً فأخبره فقال له إياس أعلم أنك أتيتني قال لا قال فنازعته عند أحد قال لا لم يعلم أحد بهذا قال فانصرف واكتم أمرك ثم عد إلي بعد يومين فمضى الرجل فدعا إياس أمينه ذلك فقال قد حضر مال كثير أريد أن أسلمه إليك أفحصين منزلك قال نعم قال فأعده موضعاً للمال وقوماً يحملونه وعاد الرجل إلى إياس فقال له انطلق إلى صاحبك فاطلب المال فإن أعطاك فذاك وأن جحدك فقل له أني أخبر القاضي فأتى الرجل صاحبه فقال مالي وإلا أتيت القاضي وشكوت إليه وأخبرته ما جرى فدفع إليه ماله فرجع الرجل إلى إياس فقال قد أعطاني المال وجاء الأمين إلى أياس فزبره وانتهره وقال لا تقربني يا خائن. وذكر الجاحظ أن إياس بن معاوية نظر إلى صدع في أرض فقال تحت هذا دابة فنظروا فإذا حية فقيل له من أين علمت قال رأيت ما بين الآجرتين نديا من بني جميع تلك الرحبة فعلمت أن تحتها شيئاً يتنفس. قال الجاحظ وحج إياس فسمع نباح كلب فقال هذا كلب مشدود ثم سمع نباحه فقال قد أرسل فانتهزوا إلى الماء فسألوهم فكان كما قال فقيل له من أين علمت قال كان بناحه وهو موثق يسمع من مكان واحد ثم سمعته يقرب مرة ويبعد أخرى ومر إياس ليلة بماء فقال اسمع صوت كلب غريب فقيل له كيف عرفته قال بخضوع صوته وشدة نباح الآخرين فسألوا فإذا كلب غريب والكلاب تنبحه.
حدثنا أبو سهل قال لم يشرك في القضاء بين أحد قط إلا بين عبد الله بن الحسن العنبري وبني عمر بن عامر على قضاء البصرة وكانا يجتمعان جميعاً في المجلس وينظران جميعاً بين الناس قال فتقدم إليهما قوم في جارية لا تثيب فقال فيها عمر بن عامر هذه ضئيلة وقال عبيد الله بن الحسن كل خالف ما عليه الخلقة فهو عيب.
أخبرنا يزيد بن هارون قال تقلد القضاء في بواسط رجل ثقة كثير الحديث فجاء رجل فاستودع بعض الشهود كيساً مختوماً ذكر أن فيه ألف دينار فلما حصل الكيس عند الشاهد وطالة غيبة الرجل قدر أنه قد هلك فهم بإنفاق المال ثم دبر وفتق الكيس من أسفله وأخذ الدنانير وجعل مكانها دارهم وأعاد الخياطة كما كانت وقدر أن الرجل وافى وطلب الشاهد بوديعته فأعطاه الكيس بختمه فلما حصل في منزله فض ختمه فصادف في الكيس دراهم فرجع إلى الشاهد فقال له عافاك الله أردد على مالي فإني استودعتك دنانير والذي وجدت دراهم مكانها فأنكره ذلك واستعدي عليه القاضي المقدم ذكره فأمر بإحضار الشاهد مع خصمه فلما حضرا سأل الحاكم منذ كم أودعته هذا الكيس قال منذ خمس عشرة سنة فأخذ القاضي الدراهم وقرأ سككها فإذا هي دراهم إليها ما قد ضرب منذ سنتين وثلاث ونحوها فأمره أن يدفع الدنانير إليه فدفعها إليه وأسقطه وقال له يا خائن ونادى مناديه إلا أن فلان بن فلان القاضي قد أسقط فلان بن فلان الشاهد فاعلموا ذلك ولا يغترن به أحد بعد اليوم فباع الشاهد أملاكه في بواسط وخرج عنها هاربا فلم يعلم له خبر ولا أحس منه أثر.
أخبرنا أبو محمد القرشي قال استودع رجل رجلاً مالاُ ثم طلبه فجحده فخاصمه إلى إياس بن معاوية فقال الطالب إني دفعت المال إليه قال ومن حضر قال دفعته في مكان كذا وكذا ولم يحضرنا أحد قال فأي شيء في ذلك الموضع قال شجرة قال فانطلق إلى ذلك الموضع وانظر الشجرة فلعل الله تعالى يوضح لك هناك ما يتبين به حقك لعلك دفنت مالك عند الشجرة ونسيت فتتذكر إذا رأيت الشجرة فمضى الرجل قال إياس للمطلوب اجلس حتى يرجع خصمك فجلس واياس يقضي وينظر إليه ساعة ثم قال له يا ذا أترى صاحبك بلغ موضع الشجرة الذي ذكر قال لا قال يا عدو الله إنك لخائن قال أقلني أقالك الله فأمر من يحتفظ به حتى جاء الرجل فقال له إياس قد أقر لك بحقك فخذه.