قلت من أحوال الحيوان البهيم وأفعاله الدالة على الفطنة أن العصافير لا تقيم إلا في دار مسكونة فإن هجرها الناس لم تقم، وأما الهرة فإنها تألف الدار وإن رحل أهلها والكلب يرحل مع أهل الدار ولا يلتفت إلى الدار ومتى طرقت العصافير آفة استغاثت فأغاثها كل عصفور يسمع حتى أنه قد يقع فرخها فيستغيث فلا يلقى عصفور يسمع إلا جاء فيطيرون حول الفرخ ويحركونه بأفعالهم فيحدثون له بذلك قوة وحركة حتى يطير معهم قال بعض الصيادين ربما رأيت العصفور على حائط فأومي بيدي إلى الأرض كأنني أتناول شيئاً فلا يتحرك فإن مسست بيدي حصاة طار قبل أن تتمكن منها يدي.
الحمام إذا علم الذكر أن الأنثى قد حملت اشتغل هو وهي بعمل العش وأشخصا لها حروفاً تحفظ البيض ثم سخناها ونفيا عنها طباعها وأحدثا لها طبيعة أخرى مستخرجة من رائحة أبدانها ثم يقلبان البيض في الأيام فتأخذ البيضة نصيبها من الحضن وساعات الحضن أكثرها على الأنثى كالمرأة التي تكفل الحضانة فإذا صار البيض فراخاً كان أكثر الزق على الذكر ومتى انصدع البيض علماً أن حواصل الفراخ لا تتسع للغذاء فينفخان الريح في حلوقهما لتنتفخ الحوصلة وتتسع ثم يعلمان أنه لا يصلح أن يزق الطعام فيزقان اللعاب المختلط بقواهما وقوى الطعام كاللبا ثم يعلمان أن الحوصلة تحتاج إلى دبغ وتقوية فيأكلان من سورج الحيطان وهو شيء بين الملح الخالص وبين التراب المالح فيزقانه فإذا علما أنه قد اشتد زقاه الحب فإذا علما أمه قد أطلق أن يلقط منعاه بعض المنع ليحتاج إلى اللفظ فيعوده فإذا علما أنه قد قوي على ذلك ضرباه إذا سألهما الكفاية ومنعاه ثم يبتدئان لغيره فيبتدئ الذكر بالدعاء وتبتدئ الأنثى بالتأني والاستدعاء ثم ترفق وتتشكل ثم تمتنع فتحبب ثم يتعاشقان ويتطاوعان ويحدث لهما من الغزل والتقبيل والرشف.