قال ابن قتيبة جاءتني جارية بهدية فقلت لها قد علم مولاك إني لا أقبل الهدية قالت ولم قلت أخشى أن يستمد مني علماً لأجل هديته فقالت ما استمد الناس من رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر وقد كان يقبل الهدية فقبلتها فكانت الجارية أفقه مني.
قال وبلغنا أن رجلاً ابتلى بمحبة امرأة فأتى أبا حنيفة فأخبره أن ماله قليل وأنهم إن علموا بذلك لم يزوجوه فقال له أبو حنيفة أتبيعني أحيلك باثني عشر ألف درهم قال لا قال فأخبر القوم إني أعرفك فمضى فخطبها فقالوا من يعرفك فقال أبو حنيفة فسألوا أبا حنيفة عنه فقال ما أعرفه إلا أنه حضر عندي يوماً فسووم في سلعة له باثني عشر ألف درهم فلم يبع فقالوا هذا يدل على أنه ذو مال فزوجوه فلما تيقنت المرأة حاله قالت لا يضيق صدرك وهذا مالي بحكمك ثم مضت إلى أبي حنيفة في حليها وحللها فقالت: فتوى، فدخلت فأسفرت عن وجهها فقال تستري فقالت ما يمكن قد وقعت في أمر لا يخلصني منه ألا أنت أنا بنت هذا البقال الذي على رأس الدرب وقد بلغت عمراً واحتجت إلى الزوج وهو لا يزوجني ويقول لمن يخطبني ابنتي عوراء قرعاء شلاء ثم حسرت عن وجهها ورأسها ويديها ويقول بنتي زمنة وكشفت عن ساقيها وأريد أن تدبرني فقال ترضين أن تكوني لي زوجة فقبلت قدميه وقالت من لي بغلامك فقال امضي في دعة الله فخرجت فأحضر البقال ودفع إليه خمسين ديناراً وقال زوجني ابنتك فكتب كتاباً بمائة دينار فقال البقال يا سيدي استر ما ستر الله أنا لي بنت أزوجك قال دع هذا عنك رضيت بابنتك القرعاء الشلاء الزمنة فزوجه على المائة والخمسين ومضى فحدث زوجته فقالت والله لا كان إلا يكون هذا إلا على يد أبي حنيفة فلما كان عشية تلك الليلة أجلسها أبوها في صن وحملها بينه وبين غلامه فلما رآها أبو حنيفة قال ما هذا فقال البقال اشهد على طلاق أمها إن كانت بنت غيرها فقال أبو حنيفة هي طالق ثلاثاً أعد على الكتاب وأنت في حل من الخمسين وبقي أبو حنيفة متفكر أشهراً ثم جاءت تلك المرأة إليه فقال ما حملك على ما فعلت فقالت وأنت ما حملك على أن غررتنا برجل فقير.
قال أبو الحسن البيبي مؤذن المسترشد بالله قال حدثني بعض التجار المسافرين قال كنا نجتمع من بلاد شتى في جامع عمرو بن العاص نتحدث، فبينما نحن جلوس يوماً نتحدث وإذا بامرأة بقربنا في أصل سارية فقال لها رجل من التجار من البغداديين ما شأنك فقالت أنا امرأة وحيدة غاب عني زوجي منذ عشر سنين ولم أسمع له خبراً فقصدت القاضي ليزوجني فامتنع وما ترك لي زوجي نفقة وأريد رجلاً غريباً يشهد لي هو وأصحابه أن زوجي مات أو طلقني لأتزوج أو يقول أنا زوجها ويطلقني عند القاضي لأصبر مدة العدة وأتزوج فقال لها الرجل تعطيني ديناراً حتى أصير معك إلى القاضي وأذكر له إني زوجك وأطلقك فبكت وقالت والله ما أملك غير هذه وأخرجت أربع رباعيات فأخذها منها ومضى معها إلى القاضي وأبطأ علينا فلما كان من الغد لقيناه فقلنا ما أبطأك فقال دعوني فإني حصلت في أمر ذكره فضيحة قلنا أخبرنا قال حضرت معها إلى القاضي فادعت علي الزوجية والغيبة عشر سنين وسألت أن أخلي سبيلها فصدقتها على ذلك، فقال لها القاضي أتبرئينه قالت لا والله لي عليه صداق ونفقة عشر سنين وأنا أحق بذلك فقال لي القاضي أديها حقها ولك الخيار في طلاقها أو إمساكها فورد على ما بلسني ولم أتجاسر أن أحكي صورتي معها فلا أصدق فتقدم القاضي بتسليمي إلى صاحب الشرطة فاستقر الأمر على عشرة دنانير أخذتها مني وغرمت للوكلاء وأعوان القاضي الأربع رباعيات التي أعطتني ومثلها من عندي فضحكنا منه فخجل وخرج من مصر فلم يعرف له خبر.