فقال الشاعر: أيها الرئيس! هذه نُفاثة صدرٍ قد جوي منذ سنة، وفضلةُ لسانٍ قد فَدُم منذ زمان؛ وقد تقدّم العمل، والجزاء موقوف، والرّجاء عليل، والأمل غادر، والحال بعرض سوء، والشّامت قد شمّر للتأنيب، ولا صبر لمُقلّ على مدلّ إلا على وجه يُحتمل؛ فإن رأيت قدمت المتأخر، وقربت المتأخّر، وقربت الشّاسع، وجعلت إجزال العطية في تعجيلها، وإكرام طالبها في تسهيلها، فلا مانع إن لم يكن ذلك من سدّة جد، أو تقاعس جَدّ.
فقال: يا هذا قد كررت العتب، واجتررت الملام، وما أستوجب هذا من أحد من خلق الله؛ ولقد نافرت العميد بدون هذا حتى ثار من ذلك عجَاج قاتم، وانتهينا منه إلى قَرِيٍّ عاتم؛ ولست وليّ نعمتي فأحتملك، ولا صنيعتي فأغضي عليك؛ وإن بعض ما قررته في أُذني لمما ينقض مِرَّة الحلم، ويُبدد شمل الصّبر؛ ولستُ ممن يطيش لأدنى سانح، ويتطيّر لأوّل بارح؛ والله ما دعوتك إليّ، ولا أغريتك بي، ولا سألتك تقريظي، ولا أتعبتُك في قصدي؛ وإن الظُّلم منك، وكذاك العتب منك؛ وأنا على كلّ حالٍ مالي؟ فلا تجمع بين الظلم والتظلّم، والجناية والتَّجنِّي، وخُذ نفسك بالنزاهة والعَفاف فإنهما لا يقفانك هذا الموقف، ولا يعرضانك على هذا المجلس، ورزق الله مُنتاب وغاد، واطلب الغنى منك فإنه عندك أكثر منه عند من تظلمه وهو لم يظلم، وتعاقبه وهو لم يُجرِم.
فقال الرجل: ما كرّرت العتب حتى أكلت النّوى المُحرَّق في انتظار صِلتك، ولا اجتررتُ الملام حتى خانني صبري في توقّع جائزتك؛ والغضنيُّ إذا مَطَل ظلَم، والواجِد إذا لوى أثِم، والجواد إذا منعَ لِيم.
ولَعَمري ما دعوتني إليك، ولا أغريتني بك بكتابٍ خصصتني ورتّبتني فيه، ولا سألتني تقريظك، ولا أبغيتني في قصدك برسول أرسلته إليّ؛ ولكن لما جلست في صدر هذا الإيوان بأُبّهتك وعظمتك وكبريائك وجَبَروتك؛ وقلت: لا يخاطبني أحد إلا بالرياسة، ولا يُنازعني أحد في حقوق السياسة؛ فإني كاتب ركن الدولة، وزعيم الأولياء بالحضرة، والقيّم بمصالح المملكة - فقد أهبت الناس إلى بابك، وأغريتهم بخدمتك، وأطعمتهم في مالك، وكأنك قد خاطبتهم بلسان الحال، وإن لم تكن خاطبتهم بلسان المقال. فأنا ذلك السّامع برياستك، والشاهد بفضلك، والراغب في خدمتك، والراجي لخيرك؛ سمعتُ فأجبت، وحضرت فمدحت، ووقفتُ أثنيت؛ وأصغيتَ فقبلت؛ وأدّيتَ فاستحسنت؛ ولم يبق بعد هذا كله إلا أن لا يكون عطاؤك حرماناً، ولا جودك انتحالاً، ولا فُتوّتك اقتيالاً، ولا ماؤك سراباً، ولا جَودك ضباباً؛ ولا خدمتك مندمة، ولا الحاصل من معاملتك مظلمة.
وإن الرجل الحُرّ متى علم أن صاحبه لئيم الطِباع، خسيس الخُلُق، مرقَّع المنصب، ملبوس المحتد، وأن الله تعالى لم يجعله من معادن الرّزق، ولا من أبواب النّجاح، فإنه لا يطمع فيه، ولا يتواضع له، ولا يعدّه فيمن يُعد، ولا يشغل لسانه بمدحه، ولا يُعقُّ أمله بقصده، ولا يُضيع قوله في وصفه؛ بل يرى أن اقتحام الجمر، وسفّ التراب، ونزع الرُّوح أهون من ذاك وأعزّ.
ولعن الله الأدب إذا كان بائعه مُذيلاً له، ومشتريه مُهيناً لقدره، ومُماكِساً فيه.
وتقوّض المجلس، وقام الناس، ونصرف الشاعر.
فحدّثني شمسويه أنه طلبه بعد ذلك ليصله، فرجع إليه أنه ذهب بين سمع الأرض وبصرها.
وسألت الجُرجانيَّ عن ابن عبّاد وابن العميد.
فقال: ما يبينان بكرم كبير، وفعال مشهور؛ ولا فائدة في نشر لؤمهما وخساسة طباعهما؛ بلغ من فلسفة هذا أنه أمر بقطع لسان رجل شتم بلد قُمّ غضباً لبله، وتيهاً بوطنه، وشدّ آخر في داره إلى شجرة وما زال يُضرب إلى أن مات، وطرحه في جَوْبةٍ حتى أكلته الكلاب؛ فقال صاحبه: انظروا إلى هذا الذي قُلنا إنه أعقل الناس.
حدّثني بهذا الهرويّ.